Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
فركب الأعرابى قعوده، ووصل كنعان ليلا، ففرح أهله وحط رحله، فقالوا له انزل، فقال لا والله لا رأيت أحدا منكم، ولا عملت عملا حتى أؤدى رسالة المغموم إلى المكظوم، فأتى البيت ينتظر الوقت، فلما سمع حركته وبكاءه، رفع صوته ونادىالسلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم. ولما سمعت زينة ذلك قالت له يا هذا، فإنى أخشى أن ينفطر قلبه، فإن كنت حملت رسالة فأدها إلى أؤدها إليه فى وقت غير هذا، قال والله لا أؤديها إلا لمن أرسلت إليه، وكانت أختا ليوسف من أبيه، وقد بنت بحذاء بيت يعقوب بيتا، وحلفت لا تضحك حتى تراه يضحك، فتقدمت إلى الباب ونادت السلام عليك يا أبت، فقال وعليك السلام يا بنيتى ما الذى جاء بك فى هذا الوقت؟ قالت البشارة، قال أما المال فلا حاجة لى إليه، وأما الأولاد فلا سبيل لى إليهم ولا حاجة، قالت بل البشارة بقرة عينك، وحبيب قلبك، قال يوسف؟ قالت نعم، فقام يخرج يسقط ويقوم يبادر الباب، فوصل الباب وصعق كأنه ميت، ولما أفاق أدى الأعرابى الرسالة على نحو ما تقدم. فقال له يعقوب صفه لى يا أعرابى، فوصفه كما هو، ولم يذكر الخال الذى على خده، وقال ولم لم تذكره؟ قال قال لى إن سألك عنه فقل محنه كثرة البكاء، فقال وأنا أيضا ذهبت عيناى لكثرة البكاء عليه، ثم قال يا أعرابى لا أجد ما أكافئك به، فهل أبصرته بعينك؟ قال نعم، قال فقدمهما إلى أقبلهما، وقبلهما وقال لا تأكل النار عينا رأته، سل ما شئت من أمر الدنيا والآخرة أجمعهما إليك، قال يا نبى الله سل الله أن يهين على سكرات الموت، وأن يجعلنى رفيقك فى الجنة، وأن يكثر مالى وولدى، فإن بنى عمرى يعايروننى بالفقر. فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال اللهم إن كنت رحمت لى عبرة، وأجبت لى دعوة، فاجعل هذا الأعرابى رفيقى فى الجنة، وهون عليه سكرات الموت، وكثر ماله وولده. ولما تم ما قضى الله أن يلبث يوسف فى السجن سجد وقال فى سجوده إلهى خلصنى من السجن، فكان يدعو والملك يرى ما ذكره الله عز وجل من أمر البقرات والسنبلات، وكانت رؤيا سبب لخروج يوسف من السجن. وروى أن الله جل جلاله أرسل جبريل إلى يوسف على هيئة جميلة، ووقف على باب بيته وسلم عليه، فرد يوسف السلام، وجعل ينظر إليه وتعجب من حسنه، وأنكر أن يكون مثله فى السجن، فقال هل تعرفنى أيها الصديق؟ قال يوسف صوت شيخ، وريح طيب لا يشبه ريح الخاطئين فمن أنت يرحمك الله؟ قال أنا أخوك جبريل، قال كيف أنت يا أطيب الطيبين، ورأس المقربين؟ فقال له أبشر فقد جعلك الله رأس الصديقين، وعدك مع آبائك المخلصين، وأوجب لك جزاء الصابرين، لأنه لم يغيرك ما جرى عليك عن أمر الله ولم تطأ فراش سيدك فى طاعة ربك، وأن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول كيف حالك وهو أعلم بحالك منك؟ فقال لربى الحمد على كل حال، وهل لك علم بأبى؟ قال وهبه الله تعالى الصبر الجميل، وقد عدل حزنه حزن مائة ثكلى، وصبره ما استوجب به أجر مائة شهيد، لأن الله جل جلاله كتم أمرك عليه، ولم يدر أحى فيرجوك، أو ميت فيحتسبك، وذلك ليعظم أجره، وهذا هو الوقت الذى يظهرك فيه الله، ويجعلك لك اليد العليا على إخوتك وغيرهم، ويصدق رؤياك.
وسبب ذلك أن الملك ريان بن الوليد، يرى الليلة كذا وكذا، وتأويلها كذا وكذا، ثم خرج وتركه، ولما جن الليل، وذهب ثلثاه، نام ريان وحاجبه ومضحكه وساقيه ومسامره، وطائفة من عظماء دولته، وانتبه الملك ريان فزعا، فقال هؤلاء ما الذى أفزعك أيها الملك جعلنا الله فداءك؟ فقال على بعلماء قومى ومنجميهم وكهنتهم، والعقلاء منهم، فإنى رأيت رؤيا افزعتى أعلم بأن لله شأنا، وأنى على رجل منها، فأشفقوا له وأسرعوا فى إحضار هؤلاء، فقال لهم ما حكى الله عز وجل بقوله { وقال الملك... }
[12.43]
{ وقال الملك } ريان بن الوليد { إنى } وسكن الياء غير نافع، وأبىعمرو { أرى } فى المنام { سبع بقرات سمان } غار ماء النيل عنه، وإنى على شاطئه فخرجن، وروى أنهن رآهن خرجن من نهر يابس، ويجمع بين الروايتين بأن النهر النيل، وقد ملئت ضروعهن لبنا وكأنهن حشين لحما وشحما ولبنا وسمنا، وإنما أضاف سبع إلى جمع السلامة لإهمال تكسير البقرة، وأما البقر فاسم جمع على الصحيح، ولا يقال فى الفصيح ثلاث بقر، وإنما أضاف سبع إلى سنبلات مع أن للسنبلة تكسيرا وهو سنابل لمجاورة ما أهمل تكسيره وهو بقرة، ذكر ذلك ابن هشام وغيره، ورويته عن شيخى فى توضيح ابن هشام، وسمان جمع سمينة ككريمة وكرام، وإنما جر سمان فكان نعتا لبقرات، ولم ينصب فيكون نعتا لسبع، لأن المراد تمييز السبع ببقرات، وأن تلك البقرات سمان لا تمييزها من أول الأمر بسمان البقر فافهم. { يأكلهن سبع } سبع بقرات { عجاف } مهازيل جدا، وخراطيمهن كخراطيم السباع، خرجن أيضا من حيث خرجت السمان، فأكلن لحوم السمان وشحومهن وجلودهن، وعصبهن ومخهن وعظامهن، وشربن دماءهن، ولم يظهر فى المهازل شئ. روى أنهن ابتلعن السمان ابتلاعا، وقد خرجن بعد السمان، وعجاف نعت سبع جمع عجفاء، والقياس عجف بضم العين وإسكان الجيم كبكاء وبكم، ولكن جمع على عجاف حملا على سمان، لأن من عادة العرب حمل الشئ على نقيضه، وحمل أحد المتجاورين على الآخر كقوله أخذه ما قدم وما حدث بضم دال حدث حملا على ما جاوره وهو قدم كما قال ابن هشام، ومثل ذلك كثير، وإنما لم يضف سبع إلى عجاف لأن عجاف صفة إذا كان جمع صفة، والعدد لا يضاف للصفة لأن البيان لا يقع بها دون موصوفها إلا إن تغلبت عليها الاسمية كفرسان وأصحاب، فتقول ثلاثة فرسان، وخمسة أصحاب، فلكون الأصل ما ذكرت لم يضف لعجاف، ولو كان القرينة، على أن المراد بالعجاف البقرات العجاف موجودة. { وسبع سنبلات خضر } جمع خضراء، والعطف على سبع بقرات، فكأنه قال ورأيت أى بعد ذلك سبع سنبلات ناعمات مملوءات حبا منعقدا لما يتيبسن { وأخر } جمع أخرى كالكبرى والكبر أى وسبعا أخر { يابسات } قد أدركن، ولا خضرة فيهن، وقيل لا الخصرة فيهن ولا ماء ولا حبة، فالتنوين على الخضر، وغلبن عليهن ومصصن ما فيهن من ماء وخضرة حتى يبسن، ولم يظهر أثر فى اليابسات، ولم يذكر الالتواء والمص استغناء بذكر أكل البقرات العجاف البقرات السمان. وروى أن كل سنبلة خضراء نبتت تحتها سنبلة يابسة، فالتوت ومصتها، وكل من اليابسات والخضر فى ثرى، وما نظر ذلك فى منامه، وتعجب فيه كيف كانت هؤلاء يابسات، وهؤلاء خضرا، والموضع واحد، وتعجب كيف غلبت العجاف السمان واليابسات الخضر، وكيف لم يتبين أثر فى العجاف واليابسات واستيقظ فزعا لما رآى من تغلب الضعيف على القوى وخاف على نفسه.
{ يا أيها الملأ } الأشراف { أفتونى فى رؤياى } أخبرونى بتأويلها { إن كنتم للرؤيا تعبرون } إى إن كنتم تعبرون الرؤيا، ولما قدم المفعول ضعف عنه الفعل فقوى باللام، فهى لام التقوية كما قال ابن هشام، ويجوز أن تكون أصليه متعلقة بمحذوف خبر لكان، فهى للبيان كقولك كان فلان لهذا الأمر، أى إذا كان مستقلا به متمكنا منه، وحاتم لمن احتاج، ومن ذلك قول ابن النظر أبا عمر من للمكارم والعلا البيت. وعلى هذا يكون تعبرون تفسير المعنى كونهم للرؤيا أو خبر أخر، أو حالا، ويجوز أن تكون أصلية متعلقة بالفعل بعده لتضمنه معنى ليتعدى باللام، أى إن كنتم تنتدبون للرؤيا، وتعبير الرؤيا تفسيرها، وسمى تفسيرها تعبيرا، لأن مفسرها جائز من ظاهر لباطنها استخراجا لمعناها، ولأنه يذكر آخر أمرها وعاقبتها، كقولك عبرت النهر إذا قطعته وبلغت شاطئه عرضا، والتأويل يقال فى تفسير الرؤيا وغيرها ، وهو أهم، وعبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعانى النفسانية، والفصيح عبرت بالتخفيف، ويجوز التشديد كقوله
رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا
فجمع بين اللغتين، لأن عبارا لا يكون إلا من الثلاثى، والشاهد فى عبرتها.
[12.44]
{ قالوا أضغاث أحلام } خبر محذوف، أى هى أضغاث أحلام، والأضغاث الأخلاط، والواحد ضغث، وأصله ما جمع من أخلاط النبات الرقيق وجعل حزمة، وربما كان من جنس واحد، وقيل الضغث من ذلك أقل من الحزمة وأكثر من القيضة، والأحلام جمع حلم وهنا الرؤيا، شبهوا الرؤيا الكاذبة، وهى ما كان من حديث نفس، ووسوسة شيطان، بالضغث، وإنما جمعوا مبالغة فى وصف الحلم بالبطلان، وإلا فهى رؤيا واحدة، وذلك كقولك فلان يركب الخيل ولو لم يركب إلا فرسا واحدا وصفته بركوب الخيل تزايدا فى وصفه، كذا قال جار الله. والظاهر عندى أنهم جمعوا لأنها ولو كانت رؤيا واحدة لكنها مشتملة على رؤى كثيرة، إذا رأى بقرات سمانا، ورأى بقرات عجافا، ورآهن يأكلنهن، ورأى سنبلات خضرا، ورأى سنبلات يابسات، ورآهن التوين ومصغنهن، فاعتبروا كل واحد من ذلك رؤيا على حدة. ثم رأيت القاضى أشار إلى ذلك قبل، ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا غيرها، لما عجزوا عن تفسيرها نسبوها للبطلان، وهى حق كذبا منهم ليسكنوا غضبه فقالوا إنها باطلة لا عاقبة لها، فلا تهتم بها، وقد كان توعدهم بقتلهم جميعا إن لم يعبروها له، وظن الأمر على ما وضعوا. { وما نحن بتأويل الأحلام } الباطلة { بعالمين } إنما نعبر صحاحها، وذلك كله اعتذار واحد، وإن أرادوا إنا لسنا عالمين بتأويل الأحلام مطلقا صادقة أو كاذبة، فقد اعتذروا بعذرين. الأول أن رؤياك أيها الملك باطلة لا أثر لها. والثانى أنا لسنا محققين فى تأويل الرؤيا، والباء الأولى للإلصاق لتضمن العالمين معنى المتمسكين، فإن من علم شيئا فقد اتصل به وتمسك به قلبه، أو صلة للتأكيد فى مفعول عالمين على أنه متعد لواحد بمعنى عارفين، أو بمعنى لام التقوية كذلك، والثانية صلة للتأكيد فى خبر ما.
[12.45]
Unknown page