1364

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

وعن ابن عباس عند يوسف ثلاث عثرات هم بها فسجن، وقال اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين، وقال لإخوته إنكم لسارقون، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.

{ بضع سنين } قال قتادة يطلق البضع على ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل إلى العشر، وعليه ابن عباس، والمراد هنا سبع سنين لبثها بعد خمس سنين، وذلك اثنتا عشرة سنة، وقيل إنه ما لبث فى السجن إلا سبع سنين أو أنها البضع، وأن تمامها فى السجن مسبب الإنساء، وعن قوله اذكرنى، وذلك عقوبة على قوله اذكرنى. قال الله تعالى

وتعاونوا على البر والتقوى

وقال عيسى

من أنصارى إلى الله

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعانة وتفريج الكرب، ولم يأخذه النوم ليلة، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فأخذه النوم، ولو كان الملك كافرا إذ يجوز الاستعانة بالكفار فى دفع المضار، لكن لما كانت مناصب الأنبياء أعظم منصب عند الله سبحانه، كان اللائق بهم أن يتمسكوا بأعلى درجة فى الصبر، وعدم ملاحظة الخلق، ولا سيما أن هذا ملك كافر، فإذا استعان به قال الكفرة لو كان الأمر كما قال لأغناه ربه عن الملك، وكان الحسن إذا قرأها بكى وقال نحن إذا أنزل بنا أمر فزعنا إلى الناس. روى أنه لما قال يوسف { اذكرنى عند ربك } أوحى الله إليه اتخذت من دونى وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى وقال يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى فقلت ما قلت فويل لإخوتى. قال فى عرائس القرآن يحكى أن جبريل عليه السلام دخل عليه فى السجن فعرفه يوسف فقال يا أخا المنذرين ما لى أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل يا أطهر الطاهرين يقرئ عليك السلام رب العالمين ويقول لك أم استحيت منى أن استشفعت بالآدميين، فوعزتى وجلالى لألبثنك فى السجن بضع سنين، قال يوسف وهو عنى فى ذلك راض؟ قال نعم، قال إذن لا أبالى. قال كعب قال جبريل يقول الله عز وجل من خلقك؟ قال الله، قال فمن رزقك؟ قال الله، قال فمن حببك إلى أبيك؟ قال الله تعالى، قال فمن آنسك فى البئر؟ قال الله، قال فمن نجاك من كرب البئر؟ قال الله، قال فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال الله، قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال الله، قال فكيف استغثت بآدمى مثلك؟ فسكت ولم يجبه. انتهى كلام عرائس القرآن. وروى أنه قال زلة منى، ولا أعود لمثلها، وفى زهر الأكمام أوحى الله إلى جبريل عليه السلام اهبط على عبدى يوسف وعاتبه كيف استشفع بعبد دونى لا يعرفنى، قد وكلته إلى الملك ريان سبع سنين، فهبط ونادى السلام عليك يا طيب الطيبين، يقرئك السلام رب العالمين ويقول لك من خلقك ولم تكن شيئا؟ قال الله، قال ومن نجى أباك يعقوب من أخيه بعد ما هم بقتله؟ قال الله، قال ومن فدى جدك إسماعيل بذبح عظيم؟ قال الله، قال ومن نجا جدك إبراهيم من النار وصيرها عليه بردا وسلاما؟ قال الله، قال ومن خلصك من أيدى إخوتك إذ هموا بقتلك؟ قال الله، قال ومن أخرج من ظلمات الجب وحببك للسيارة؟ قال الله، قال ومن عطف عليك قلب العزيز حتى آثرك منزلة وسلطانا؟ قال الله، قال ومن صرف كيد النسوة عنك؟ قال الله، قال يا يوسف انظر إلى الأرض، فنظر فسعت الأرضون السبع فرأى تحت الثرى حجرا أبيض، فضربه جبريل فانشق، فخرجت من الحجر دودة صغيرة فى فمها ورقة خضراء، فقال يا يوسف يقول لك ربك أنا الذى خلقتها وأوصلت إليها رزقها ولم أنسها، ولا أنس أحدا من خلقى، والكل يسعهم علمى، فكيف أنساك وأنت نبيى، وابن صفيى، وابن ذبيحى، وابن خليلى، حتى تقول لعبد لا يعرفنى ولا يملك لك ولا لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خفضا ولا رفعا { اذكرنى عند ربك } بقاؤك فى السجن بعدد حروف كلماتك.

وكان يقف على كوة فى حائط السجن، يرى الناس ويرونه ، إذ أتت قافلة من الشام يوما من الأيام، وكان معهم أعرابى معه ناقة من ناحية كنعان يسمى شمردال، فلما رآها يوسف ورأته بركت بإذن الله تعالى تحت الكوة، ونادت بلسان فصيح يا يوسف أبوك قد نحل من الاشتياق إليك، فبكى ولم يسمع كلامها غيره، فضربها صاحبها فابتلعته الأرض إلى ساقية، فقال له يوسف دعها يا أعرابى وألق العصى من يدك لئلا تهلك، فألقى العصى فخرج من الأرض، فدنا من الكوة فقال له يوسف من أين أنت؟ قال من أرض كنعان؟ فقال يا أعرابى أقسمت عليك بربك الذى أنشأك هل تعرف بأرض كنعان شجرة باسقة لها اثنا عشر غصنا، فقطع منها غصن واحد فالشجرة تبكى عليه بكاء شديدا، وكان الغصن الذى قطع منها أحسن أغصانها؟ فبكى الأعرابى، فقال والله هذه صفة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أو أولاده، فبكى بكاء شديدا. وقال يوسف كم نويت أن تربح؟ قال ما شاء الله تعالى، فرمى إليه سوارا من ياقوته حمراء، وقال خذ هذه فإنه يساوى عشرين ألف دينار، على أنك تؤدى رسالتى إلى تلك الشجرة، وأنت مأجور إن شاء الله تعالى، فإذا وصلت عند بيت الأحزان بأرض كنعان، فاصبر إلى الليل، ثم اقصد ذلك الحزين، وقل له غريب بمصر محبوس فى السجن يقرئك السلام، فقال له الأعرابى ما اسمك يا فتى؟ قال ما أخبرك باسمى. فركب ناقته وخرج فرحا حتى وصل أرض كنعان، ولما جن الليل أتى منزل يعقوب عليه السلام، ونادى يا آل إبراهيم، فأجابته زينة أخت يوسف عليه السلام لبيك يا هذا من تكون؟ ومن أين أقبلت؟ قال لها أين يعقوب؟ قالت ماذا تريد؟ قال أنا رسول غلام غريب إليه، فقامت وقعدت ونادت يا والدى وكان واقفا يصلى، فأوجز فى الصلاة، فقال مالك يا زينة؟ قالت له يا والدى هذا رسول إليك من بعض الغرباء، فقام فقعد فأخذت بيده حتى خرج إليه.

فقال له من أين أنت أيها الرسول، فإنى أشم منك ريحا طيبا؟ قال أنا رسول غلام غريب من شأنه كذا وكذا، فقال له هل رأيت وجهه؟ قال لا، ولكن ناجانى من وراء حجاب، فبكى يعقوب عليه السلام وزينة وانتحبا، فقال يعقوب هل ذكر لك اسمه؟ قال لا، قال اسأل حاجتك يا أعرابى؟ قال مالى حاجة إلى الدنيا، فإن ذلك الغريب أغنانى، فقال إذن هون الله عليك سكرات الموت. وفى رواية أن ذلك قبل أن يسجن، وأن زليخا تلبسه الديباج وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد، فإذا فرغ من خدمتها خرج يتحسن الأخبار فبينما هو يمشى يوما فى أزقة مصر إذا بأعرابى راكب على قعود يقول

حدت ربى وهو الحميد بالحمد يبدى وبه يعبد ليس له ند ولا عنيد يفعل فى الأشياء ما يريد

فلما سمعه يوسف علمه غريبا فقال يا أعرابى ما سمعت بهذا الكلام فى هذه البلاد، كأنك لست منها؟ قال نعم، قال فمن أين أنت؟ قال من مراعى آل يعقوب من كنعان، من وادى الأردن، فلما سمع يوسف باسم يعقوب صاح وصعق، فرق له الأعرابى ونزل عن قعوده، ومسح العرق عن وجهه ورأسه، فى حجره، فقال مالك يا غلام؟ فقال ذكرت بلادا أودعتنى، وإلى الغربة رمتنى، فهل تعرف الشيخ يعقوب؟ قال ومن لا يعرفه، وهو نبى الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، به نتوسل إلى ربنا، وبحرمته نستسقى إذا قحطنا. قال فأسلك بالله إلا أخبرتنى كيف تركته؟ قال تركته وقد انحنى صلبه، وتقوس ظهره، وتضعضع ركنه، وكابده الشيب قبل أوانه، وترك أهله، وهجر أولاده، وبنى على تل كنعان بيتا يسمى بيت الأحزان، يبكى فيه وينوح على قرة عين له يسمى يوسف، اختلس من بين يديه. فزاد يوسف بكاء وقال ليت أمى لم تلدنى، وليت السباع أكلت لحمى ولم يصب حبيبى ذلك من أجلى، فبكى الأعرابى معه، فقال يوسف إنى محملك رسالة البركة والدعوة والأمانة، أما الأمانة فتؤديها إلى يعقوب دون غيره، وأما البركة فتصيبك بركة آل يعقوب، وأما الدعوة فأدعو الله أن يكثر مالك وولدك، ويطيل عمرك قال فاذكرها إذن، فقال إذا وصلت كنعان وقد سألت الله أن يبلغك سالما فأت باب يعقوب إذا ذهب هون من الليل، وجاء وقت قيام الأنبياء لرب الأرض والسماء، فقف واستمع صوت يعقوب ومناجاته وتسبيحه ودعاءه وبكاءه، فناد بأعلى صوتك وقل السلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم، الذى بيع بيع العبيد، وصير حيرانا طريدا، ويقول لك إنى حرمت على نفسى النوم على فراش وطئ والتوسد حتى ألقاك، فكن أنت كذلك فقال الأعرابى، سبحان الله، من يطيق تأدية هذه الرسالة، قال من يريد الأجرة والبركة.

Unknown page