1366

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ وقال الذى نجا منهما } أى من صاحبى السجن الساقى والخباز وهو الساقى، ومن للتبعيض، والنجاة إنما هى من القتل { وادكر } بدال مهملة، ووزنه افتعل، والأصل إذ تكر بذال معجمة فتاء، أبدلت الذال المعجمة دالا مهملة، ثم أبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الدال فى الدال، هذا ما رأيت عن شيخى، وذكره ابن هشام وهو الأفصح الوافق للقياس. وقرأ الحسن بالإعجام، على أن الأصل اذتكر أبدلت التاء دالا مهملة، ثم أبدلت المهملة معجمة، وأدغمت المعجمة فى المعجمة وهو لغة، كما يدل له كلام ابن هشام، ويصرح به كلام غيره، وتحتمل هذه القراءة أن تكون على وزان تفعل، والأصل تذكر بتقديم التاء على الذال المعجمة، سكنت وأبدلت دالا معجمة وأدغمت الذال فى الذال، وجئ بهمزة الوصل لأنه لا يبتدأ بساكن، وتحتمل قراءة الإهمال أن تكون على لغة لربيعة، يقولون دكر بالإهمال بمعنى ذكر بالإعجام، وأن تكون أيضا بوزن تفعل، وزعم بعض أن ربيعة غلطت، وأن الذكر بالإهمال لعب للزنج والحبشة، والواحد ذكرة أدغمت لام أل فى الدال، وأنه إذا قلت ذكر بدون أل قتله بالذال المعجمة. ومعنى ادكر فى الآية تفكر قول يوسف { اذكرنى عند ربك } وما شاهد منه فى تعبير رؤياه ورؤيا الخباز. { بعد أمة } بعد زمان، وهو هنا سبع سنين، سمى أمة لأنه جماعة من أيام أو شهور أو أعوام مجتمعة، وقرأ الأشهب العقيلى بعد إمة بكسر الهمزة أى بعد نعمة، أى بعد ما أنعم الله عليه بالنجاة من السجن والقتل على يد يوسف، إذ عبر رؤياه بما يستحسنه، وقرأ ابن عباس وجماعة بعد أمه بفتح الهمزة والميم المخففة، وبالهاء غير منقوطة لا بالتاء أى بعد نسيان، يقال أمه يا أمه أمها إذا نسى، وعن مجاهد بعد أمه كذلك، لكن بإسكان الميم قال جار الله وهو خطأ، وجملة ادكر بعد أمة معترضة بين القول ومقوله، أو حال بلا تقدير قد، وبلا تقدير المتبدأ، وقيل بتقدير أحدهما، ويجوز العطف على نجا. { إنا أنبئكم بتأويله } أى بتأويل ما رأى الملك فى منامه، وقرئ أنا آتيكم بتأويله، والخطاب للملك ومن حضر من سحرة وكهنة ومعبرين، وعقلاء أو للملك وحده تعظيما له بخطاب الجماعة. { فأرسلون } إلى من عنده علمه، أو إلى السجن، أو إلى يوسف وهو مقصوده على كل حال، ومعنى أرسلون إلى من عنده علمه أرسلنى فى استكشاف علم ما أرى ممن وجدت، ومراده يوسف كما مر قبل عن ابن عباس لم يكن السجن فى المدينة، ولذلك قال أرسلون، وما أظنه صحيحا منه، لأن الإرسال يصح ولو كان بجنب دار الملك.

[12.46]

{ يوسف } حذف حرف النداء ومتعاطفات أى فأرسلوه فأتى يوسف فى السجن فقال له يا يوسف الخ، وروى أن الذى نجا قال إن قول هؤلاء بأنها أضغاث أحلام باطل، بل رؤياك حق، وأن لها برهانا وإن أرسلنى إلى السجن آتك بالعجب العجاب، إن فى حبسك رجلا حكيما عليما عنده من رؤياك علم عجيب، وقد كنت أنا وصاحبى فى السجن فى المدة التى غضبت علينا فيها ورأينا كذا وكذا، وعبر لنا كذا وكذا، فكان كما قال، فقال الملك ما منعك أن تعرفنى بأمره؟ فقال أيها الملك خفت أن تذكر ما قيل عنا، فيكون سببا للمعاقبة، فقال له انطلق إليه، فقد أذنت لك. وروى أنه لما قال الملك إن لم تخبرونى بتأويلها أقتلكم، حرك الساقى رأسه وبكى، فقال له الملك مالك تبكى؟ فقال أيها الملك إن رؤياك هذه لا يعرفها ولا ينبئك بها إلا الغلام العبرانى الذى فى السجن، فتغير وجه الملك وقال له إنى لم أذكره سبع سنين، ولا خطر ببالى إلا الساعة، وقال له الساقى وأنا كذلك، فقال من أين تدرى أنه الم بتأويل الرؤيا، فقص عليه قصته وقصة الخباز، فقال له امض إليه واسأله عن تلك الرؤيا، فقال له والله إنى أستحى منه، فقال له الملك لا تستحى منه، فإنه على دين يرى أن الخير والشر من مولاه، فلا يلومنك. فأتاه الساقى يبكى وكمه على وجهه استحياء من يوسف، وتمالك واعتذر بأنه لم يقصر، ولكنه نسى، فقال له ارفع كمك، فإن الشيطان أنساك أن تذكرنى عند ربك، فسجد الساقى بين يديه حين رضى عنه، فقال له لمن سجدت؟ فقال لمن أرضاك عنى، فإنى كنت خائفا من سطوتك، فقال من أين لى سطوة؟ فقال تيقنت أنك تصير ملكا، ثم قال له ما حاجتك؟ فقص عليه رؤيا الملك، وأنه يريد تعبيرها، وقيل إن الملك نسى رؤياه، فقال لهم إن لم تخبرونى بها وبتأويلها أقتلكم، فذهب الساقى إليه فسأله فقال له رأى كذا وكذا وتأويلها كذا وكذا، فرجع الساقى إلى الملك، وقد تذكرها الملك فأخبر بها الحاضرين بعد ذهاب الساقى، فأخبره الساقى بما قال يوسف، فتعجب فقال كأنه الذى رآها، وأقر هو والحاضرون بفضله، وما قيل من أن الساقى لم يخبره الملك بالرؤيا، وأنه قال ليوسف أريد أن تعلم ما رأى الملك، وأن تعلم تعبيره يرده قول يوسف { أيها الصديق أفتنا فى سبع } أى فى رؤيا سبع { بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } وإن صح ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية حكاية للمعربات قوله أخبرنا بما رأى بتفسيره بمنزلة قوله إنه رأى كذا وكذا، فأخبرنا أيها الصديق بتفسيره، والصديق المبلغ فى الصدق، وإنما عرفه صديقا لأنه فاق احواله، وظهر صدقه فى تفسير رؤياه ورؤيا الخباز، ولم يجبر عليه كذبا قط.

{ لعلى أرجع إلى الناس } الملك ومن عنده، أو أهل البلد على ما قيل إن السجن لم يكن فى البلد، فأخبرهم بتعبيرها { لعلهم يعلمون } تأويلها أو فضلك ومكانك فى العلم، فيطلبوك ويخلصوك من السجن، وإنما تلفظ بلعل فى الموضعين، لأنه ليس على يقين من الرجوع لجواز أن يموت قبل الرجوع، أو يمنعه مانع، ولا على يقين من علمهم لاحتمال أن لا يصدقوه، أو لا يصدقوا يوسف، ولما سمع يوسف الرؤيا من الساقى لم يمتنع من شرحها فقال قل للملك إن فى رؤياك هذه بلية تدخل على رعيتك، فأنظر لها قبل نزولها، لأن الملك بالرعية، والرعية بصلاح الأحوال، وحاجة الملك للخدم كحاجة الرأس للقدم، وانتفاع الملك بأعوانه كانتفاع الجسد بأعيانه، ثم أخذ يفسرها كما قال الله جل وعلا { قال تزرعون... }

[12.47]

{ قال } يوسف { تزرعون سبع سنين دأبا } أى تزرعون على عادتكم المستمرة، فالجملة خبرية لفظا ومعنى، والدأب العادة، العادة، قال أبو عمرو الدانى قرأ حفصدأبا بتحريك الهمزة، يعنى تحريكها بالفتح كدال والباقون بإسكان ا ه، وعلى القراءتين هو مصدر دأب فى العمل ونصبه على نزع الخافض، أى على العادة، ولكنه نكر للتعظيم فإنهم كانوا يزرعون فى العادة بجد واجتهاد، وقد فسر بعضهم دأبا بجد واجتهاد، أو على الحالية من وقوع المصدر حالا مبالغة، أو بتأويل بأسم الفاعل فى دائبين، أو تقدير مضاف أى ذوى دأب، أو على المفعولية المطلقة لتزرعون بتقدير مضاف، أى زراعة دأب، أو لمحذوف أى تدأبون دأبا، وعلى هذا فالجملة المقدرة حال، وقيل تزرعون فى معنى الأمر، وإنما جاء بصيغة الأخبار مبالغة فى أن يمتثلوا كأنهم قد امتثلوا قوله وقبلوه، فهو يخبر عن قبولهم بدليل قوله { فما حصدتم فذروه } اتركوه { فى سنبله } لئلا يأكله السوس، على عادة طعام مصر وحنطتها التى لا لتبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها فى السنبل، وذلك نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا، سواء جعلنا تزرعون إخبارا أو بمعنى الأمر. { إلا قليلا مما تأكلون } فى تلك السنين فادرسوه، أى تدرسون كل سنة قليلا يكفى السنة بمرة، أو تدرسون ما يكفى السنة شيئا فشيئا بحسب الحاجة، وهذا أولى تأكلونه فيها، ويجمع الطعام هكذا للسنين المجدبة، ويأكل الأقدم فالأقدم، والورق، والسوق، والتبن، والقشور للدواب، كذلك الفاء الأولى رابطة لشرط محذوف، والثانية فى جواب شرط مذكور، ومن للبيان، فتلك السنون هى البقرات السمان، والسنبلات الخضر لو ألقيت الحبة فيهن على حجر يابس لنبتت وأخرجت الحب الكثير ولا تخطئ حبة من بذر إلا نبتت، واصنعوا فى الأرض الهواء واخزنوه فيها وفى المخازن، ويكون التبن والسوق والأوراق علفا للدواب.

[12.48]

{ ثم يأتى من بعد ذلك } المذكور من السنين المخصبة { سبع } سبع سنين { شداد } جمع شديدة أى صعاب على الناس بالقحط والجدب، لا تنزل فيهن قطرة من السماء، ولا تنبت خصرة من الأرض { يأكلن ما قدمتم لهن } أى ما أعددتم لأجلهن فى السبع المخصبة، أو ما أعددتم لهن يأكلنه، كما تقول أعددت لابنى ما يأكل، وإسناد الأكل إليهن مجاز عقلى من إسناد ما للمظروف فإن الآكلين هم الناس الذين فيهن. ويجوز أن يكون معنى يأكلن يفنين، فاستعمل المقيد وهو الأكل فى المطلق وهو الإفناء، فإن الإفناء واقع بالأكل، ويقع أيضا بسائر الإتلافات، فذلك مجاز لغوى، وإسناد الإفناء إليهن مجاز عقلى فعليه فهنا مجاز مبنى على مجاز، والوجه الأول أولى وأخف، وفائدة ذلك التجوز المبالغة فى الإذهاب، حتى كأن الزمان نفسه آكل أو متلف، والمطابقة لما رأى الملك فى المنام، فإنه رأى السبع العجاف آكلات للسبع السمان، والسبع اليابسات ملتويات على الخضر، وماصات لهن، فإن هذه السنين الشداد السبع هن البقرات العجاف، والسنبلات اليابسات اللاتى رآهن فى المنام. { إلا قليلا مما تحصنون } تخزنون وتدخرون، فإن هذه القليل يبقى بعد السنين الشداد، ليكون بذرا يزرع بعدهن.

[12.49]

{ ثم يأتى من بعد ذلك } المذكور من السنين الشداد، أو من السنين الأربع عشرة، وهى السبع المخصبات، والسبع الشداد { عام فيه يغاث الناس } من الغيث وهو المطر، أى يمطرون وهو قول ابن عباس والجمهور، أو من الغوث وهو الفرج وإزالة الكرب، أى يفرج الله عنهم القحط. { وفيه يعصرون } ما يعصر كالعنب، فإنه يعصر خلا وخمرا وغيرهما، والخمر محرمة فى هذه الشريعة المحمدية الشريفة، وكالزيتون فإنه يعصر منه الزيت، وكالسمسم فإنه يعصر منه الدهن، وكقصب السكر وغير ذلك كالفجل، ومصر بلد يعصر أشياء كثيرة، وحذف المفعول للعموم، أى يعصرون كل ما يصلح للعصر، وذلك كناية عن كثرة الثمار والخضرة والخصب. وقيل معنى يعصرون يحلون الضروع، ويجوز أن يكون بمعنى ينجى بعضهم بعضا من الجوع لكثرة الطعام يتناولونه، وقرأ حمزة، والكسائى يعصرون بالتاء الفوقية للخطاب تغليبا للحاضر وهو الساقى على الغائب وهو أهل البلد ومن بجانبها، وقرئ تعصرون بالبناء للمفعول والفاعل الله، وهم أى ينجون بالبناء للمفعول أى ينجيهم الله، أو ينجى بعضهم بعضا بالإعطاء والتصرف لإغاثة الله إياهم، أو المعنى يعصر عليهم بالبناء للمفعول، أى يمطر عليهم، فحذف الجار ونائب المجرور على طريق الحذف والإيصال، يقال أعصرت السحابة عليهم. أو قيل يعصرون لتضمين معنى يمطرون، وقوله { ثم يأتى من بعد ذلك } الخ بشارة خارجة من تفسير الرؤيا، زاده الله علمها بالوحى أو بالإلهام، قال قتادة زاده الله علم سنة قيل أو قام بها من حيث إن انتهاء الجدب يؤذن بالخصب، بأن السنة الإلهية أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم، ويبحث لهم إيذان انتهاء الجدب بالخصب والتوسع، لا يفهم الخصب الكامل الذى أشار إليه بقوله { وفيه يعصرون } بل يفيد زواله، مع احتمال الدرجة الوسطى من الخصب، والأدنى والكاملة، نعم يجوز أن يكون المراد بالغيث والعصر ذلك لمعنى العام المحتمل. ولما انقضى كلام يوسف، رجع الساقى إلى الملك ومن معه، وأخبر بما قال يوسف، فاستعظموه وعرفوا قدره كما مر، وعرف الملك أن الذى قال كائن لا محالة، رد الساقى إليه ليأتى به، ويقربه، ويسمعه الرؤيا مشافهة، وليرى هذا الكريم الذى عبر هذه الرؤيا تلك العبارة المستحسنة كما قال الله سبحانه وتعالى. { وقال الملك ائتونى به... }

Unknown page