Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
ومر بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدرهم وكونها من نحاس حقيقة أو مجازا أى شديدة كالنحاس ولا شك أن الحديد أحد من النحاس ولكن خص النحاس لأنه فى النار أشد حرارة ولذا تصنع منه القدور فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس ويقعون فى أعراضهم وخص الوجوه والصدور لأنها يظهر فيها الشين كما أظهروا شين أعراض من اغتابوا والغيبة كبيرة فى المسلم عندنا مطلقا وقال قوم إن كانت فى العلم وحامل القرآن وإلا فصغيرة قيل تباح فى مواضع منظومة فى قوله
القدح ليس بغيبة فى ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة فى إزالة منكر
وأتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل يريد أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل أى مثله يتكلم بالكلمة العظمية تكون سببا للهلاك مثلا أو لإضاعة مال أو هجر مسلم ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها وفى الحديث البلاء موكل بالمنطق وبين ما هو يسير إذ دعاه داع عن شماله يا محمد انظرنى بوصل الهمزة وضم الظاء أى انتظرنى أو انظر إلى أن أسألك فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل؟ قال داعى اليهود أى مثل الداعى إلى هواهم وما ظلوا به وكذا فى داعى النصارى والإضافة عند اللقانى للبيان كما فى حديث ابن أبى ليلى قال له جبريل أتدرى من الرجل الذى دعاك عن يمين الطريق؟ قال لا. قال تلك اليهود تدعوك إلى دينها اه. أما أنك لو أجبته لتهودت أمتك وبينما هو يسير إذا دعاه داع عن شماله يا محمد انظرنى أسألك، فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل؟ قال داعى النصارى أما أنك لو أجبته لتنصرت أمتك وبينما هو يسير إذ هو بامرأة حاسرة عن ذراعيها أى كاشفة وعليها من كل زينة خلقها الله وذلك ما يجلب القلوب فقالت يا محمد انظرنى أسألك فلم يتلفت إليها فقال من هذا يا جبريل؟ قال تلك الدنيا أما أنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة وقد تعرضت له يوما فقال إنى لست أريدك.
قالت إن لم تردنى فسيريدنى غيرك، وبينما هو يسير إذا هو بشيخ يدعوه متنحيا عن الطريق مظهرا الديانة والورع يقول هلم يا محمد. فقال جبريل بل سر يا محمد قال من هذا يا جبريل؟ قال هذا عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه وقد عصمك الله منه وإنما بادره جبريل هنا بقوله بل سر يا محمد إن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان عنده زيادة لطف ورحمة بالشيوخ والفقراء وقد علم جبريل ذلك منه ولأن فتنة إبليس أشد من فتنة غيره وسار فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقالت يا محمد انظرنى أسألك فلم يلتفت إليها فقال من هذه يا جبريل قال إنه لم يبق من عمر الدنيا إلا ما بقى من هذه العجوز. وروى البيهقى فى الدلائل عن أنس أنه مر بجماعة فسلموا عليه فقالوا السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر. فقال له جبريل اردد عليهم السلام وهم ابراهيم وموسى وعيسى. وفى رواية أنه مر بموسى عليه السلام يصلى فى قبره فقال أشهد أنك رسول الله ولا مانع عن صلاة الأنبياء فى قبورهم لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون يتعبدون بما يجدون من دواعى أنفسهم لا بما يلزمون به كما يليهم أهل الجنة الذكر. وروى أبو هريرة أنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد وأخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون قال جبريل هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويتركون الحلال ومر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر. قال جبريل هم أكلة الربا ومر بقوم مشافرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم قال جبريل هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ومر بنساء علقن بثديهن، وقال جبريل إنهن الزوانى ومر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون واللمازون ومر على واد فوجد ريحا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت الجنة تقول رب ائتنى بما وعدتنى فقد كثرة عرفى واستبرقى وعبقرى ولؤلؤى ومرجانى وفضتى وذهبى وأكوابى وصحافى وأبارقى ومركبى وعسلى ومائى ولبنى وخمرى فائتنى بما وعدتنى فقال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بى وبرسلى وعمل صالحا ولم يشرك بى ولم يتخذ من دونى أندادا ومن خشينى فهو آمن ومن سالنى أعطيته ومن أقرضنى أجزيته ومن توكل على كفيته إننى أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد. قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين قالت قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنا فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت جهنم تقول ربى ائتنى ما وعدتنى فقد كثرت سلاسلى وأغلالى وسعيرى وحميمى وضريعى وغساقى وعذابى وقد بعد قعرى واشتد حرى فائتنى بما وعدتنى.
قال لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت قد رضيت ولما وصل بيت المقدس ربط البراق بالحلقة، وروى ربط فرسه يعنى البراق لأنه نزل منزلة الفرس وأنكر حذيفة الربط إذ لا يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة. رواه أحمد والترمذى وصلى ببيت المقدس وأنكر حذيفة أيضا الصلاة فيه والواضح ثبوت الربط والصلاة والمثبت مقدم على النافى. وعن بريدة وضع جبريل إصبعه فى الصخرة فخرقها فقد بها البراق أى بزمامه. رواه البزار والترمذى. وعن ابن مسعود وأبى سعيد دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل منا ركعتين أى على حدة وروى أنه دخل من بابه اليمانى ثم نزل عن البراق وربطه بالحلقة بالباب وروى أنه دخل من باب تميل فيه الشمس والقمر. ويجمع بين أحاديث الربط قبل الدخول وأحاديث الربط بعده بأنه ربط أولا خارج المسجد ثم فك وربط داخله إكراما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى ربطه الأخذ بالاحتياط فى الأمور وتعاطى الأسباب وليس ذلك قادحا فى التوكل وكان فى ذلك تأنيس بالعادة فى ربط الدواب ومعنى ميل الشمس والقمر عن الباب أنما يمران عليه فيغربان منه وقال القيلوبى يميلان إليه عند طلوعهما بظهورهما عليه أو يميلان عند زوالهما عن الاستواء فيزول ضوؤها عنه جهة المشرق وقيل فيه تمثيل الشمس والقمر أى مثالهما فيه. وكان هذا الباب مفتوحا روى أن بعض بطارقة الروم وكله هرقل بحفظ بيت المقدس وكان لا ينام حتى يغلق أبوابه، فلما كان تلك الليلة أغلقها كلها إلا هذا الباب الذى دخل منه - صلى الله عليه وسلم - فإنه أعياه حتى استعان بعماله ومن حضره عليه فلم يستطع أحد أن يحركه ولما صلى الركعتين لم يلبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثيرون من الأموات بأرواحهم وأجسادهم على الراجح وقيل بأرواحهم من الأنبياء والشهداء ومن ألحق بهم فعرف النبيين بصفة تميزهم من بين راكع وساجد ثم أعلم جبريل الحاضرين بالصلاة وشرعوا فيها بلا أذان ولا إقامة لأنهما شرعا بالمدينة أو بهما ولو قبل أن يشرعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمته وقاموا صفوفا ينتظرون من يومهم فأخذ جبريل بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدمه فصلى بهم فى مقدم المسجد وكانوا سبعة صفوف ثلاثة من المرسلين وأربعة من سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكان خلق ظهره إبراهيم وعن يساره إسحاق. وعن كعب أذن جبريل ونزلت الملائكة من السماء وحشر الله له المرسلين وزاد الله فى سعة المسجد حتى وسعهم فصلى بهم جميعا ركعتين كانتا مفروضتين عليه وقيل هما نافلتان والراجح أنهما نقل مطلق ولا يضر وقوع الجماعة فيها لأنه للتشريع وجوز كثير من العلماء النفل السنن مطلقا بالجماعة وصلاة الموتى تلذذ لا تكليف لانقطاعه بالموت وعلى أنهما مفروضتان عليه فالأقرب عند بعض أنهما الصبح ويحتملان أنهما العشاء على أنهما قبل العروج وإما على أنهما بعده فالصبح قال ابن كثير ومن الناس من يزعم أنه أمهم فى السماء والذى تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس والظاهر أنها بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم فى منازلهم جعل يسأل جبريل عنهم واحدا واحدا وهو يخبره قال هذا هو اللايق لأنه أولا كان مطلوبا ليفرض عليه الله تعالى أمته ما يشاء ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه عليهم لتقديمه فى الإمامة والظاهر أنه صلى بهم فى السماء بعد العروج وفى بيت المقدس قبلة وانتقلوا إليه كما انتقل موسى من قبره الذى رآه يصلى فيه إلى بيت المقدس والسماء وعن أنس لما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذى يقال له باب محمد أتا إلى الحجر الذى به فغمزه جبريل بإصبعه فنقبه ثم ربط البراق ولما استويا فى سرحه المسجد قال جبريل يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين قال نعم قال فانطلق إلى هؤلاء النسوة فسلم عليهن قال فسلمت عليهن فرددن على السلام فقلت لمن أنتن فقلن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا.
أى لم يتوسخوا وأقاموا فلم يظعنوا وخلدوا فلم يموتوا وروى أنهن راهن عن يسار الصخرة ولا يبعد أنهن صلبن خلفه ويحتمل قبل أنه كشف عنهن له حتى راهن فى ذلك المحل وهن فى الجنة كرامة له وخرقا للعادة والحكمة فى رويته لهن تعظيمه واحتياجه إلى معرفتهن لأنه يزوجهن أمته وكن على اليسار مع شرف النبى إشارة لتيسير حصولهن لهذه الأمة وليتفاول بتيسير المعراج وسهولته أو ليكون جانب اليمين له يرقى منه الصخرة وهل رقى الصخرة أو عرج من جهة يمينها خلاف والحور خلقن من الزعفران أو من تسبيح الملائكة ومن قطرات تقطر من جناح جبريل لينتفض بعد خروجه من بعض الأنهار ولما فرغ من صلاته قال جبريل يا محمد أتدرى من صلى خلفك مؤتما بك قال لا قال كل نبى بعثه الله أى أوحى إليه ولا ينافى قوله ما مر من أنه عرف النبيين لأنه يحتمل أنه عرفهم بأشخاصهم ولم يعرف أنهم صلوا كلهم خلفه مكانه. قال له أتدرى من صلى خلفك منهم لو عرف ونسى أو عرفهم ولم يعرف أنه لم يبق منهم أحد، ولما فرغ أثنى كل نبى على ربه سبحانه بثناء جميل فقال ابراهيم الحمد لله الذى اتخذنى خليلا وأعطانى ملكا عظيما وجعلنى أمة قانتا يؤتم بى وأنقذنى من النار وجعلها على بردا وسلاما وقال موسى الحمد لله الذى كلمنى تكليما وجعل هلاك فرعون ونجاة بنى إسرائيل على يدى وجعل من أمتى قوما يهدون بالحق وبه يعدلون وقال داود الحمد لله الذى جعل لى ملكا وعلمنى الزبور وألان لى الحديد وسخر لى الجبال يسبحن والطير وأعطانى الحكمة وفصل الخطاب وقال سليمان الحمد لله الذى سخر لى الرياح وسخر لى الشياطين يعملون لى ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكانت باليمن لا تحرك من مواضعها يأكل من الواحدة ألف رجل، وعلمنى منطق الطير وآتانى من كل شئ فضلا وسخر لى الإنس والطير والدواب وفضلنى على كثير من عباده المؤمنين وآتانى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى وجعل ملكى ملكا طيبا ليس فيه حساب ولا عقاب، وقال عيسى عليه السلام الحمد لله الذى جعلنى كلمته وجعل مثلى مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمنى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلنى أبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله ورفعنى وطهرنى وأعاذنى وأمى من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -
" كلكم أثنى على ربه وأنا مثن على ربى أى مزيد للثناء عليه ثم شرع يقول الحمد لله الذى أرسلنى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل على الفرقان فيه تبيان كل شئ وجعل أمتى خير أمه أخرجت للناس وجعل أمتى وسطا أى خيارا عدولا، وجعل أمتى هم الأولون والآخرون، وشرح لى صدرى ووضع عنى وزرى، ورفع لى ذكرى، وجعلنى فاتحا أى للشفاعة، خاتما ".
أى للنبوة. فقال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بهذا فضلكم محمد - صلى الله عليه وسلم - الإشارة إلى الثناء لا خصوص قوله ورفع لى ذكرى خلافا للأجهورى أى بفصاحته وبلاغته وثوابه، وفضلكم بفتح الضاد والتخفيف زاد عليكم فى الفضل والأجر دنيا وأخرى وفيه رد على المعتزلة القائلين لا فضل لبعضهم على بعض، ويرد عليهم ظاهر القرآن أيضا تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وتوقف بعضهم، وقال السكوت أفضل والصحيح ثبوت التفضيل بين الأنبياء غير المرسلين وأن المرسلين أفضل والتفضيل بين المرسلين، وفى حديث أبى أمامة عند الطبرانى فى الأوسط ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدا - صلى الله عليه وسلم - والجمع بينه وبين ما مر من أن مقدمه جبريل أنهم لما قدموه لم يتقدم حتى قدمه جبريل، وأخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من العطش أشد ما أخذه فجاءه جبريل - صلى الله عليه وسلم - بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن، فقال له جبريل اخترت الفطرة، ولو شربت الخمر لغوت أمتك ولم يتبعك منهم إلا قليل.
وفى رواية أن الآنية كانت ثلاثة والثالث فيه ماء، وأن جبريل قال له لو شربت الماء لغرقت أمتك. وفى رواية أن أحد الآنية التى عرضت عليه فيه عسل بدل الماء، وأن جبريل قال له لو شربت العسل لهلكت أمتك بحب الدنيا، ويجمع بين ذلك بان يكون بعض الرواة اقتصر على إناءين وأن يكون أحد الثلاثة كان فيه عسل، ثم جعل فيه الماء أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل أو تكون الأوانى أربعة، وبعض الرواة اقتصر وبعض وفى، روى أنه شرب من العسل قليلا. وروى أنه شرب من الماء قليلا، فمعنى لو شربت لورويت، والخمر التى أتى بها هى من خمر الجنة كما جزم به اللقانى وإنما تجنبها لشبهها بخمر الدنيا التى ستحرم ويكون ذلك ابلغ فى الورع وأدق لأنه ترك ما يشابه ما سيحرم، وأراد بالفطرة اللبن الذى هو علامة الفطرة التى خلق الله عليها العبد وهى الإسلام لكون اللبن سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين سليم العاقبة، أو المعنى اخترت اللبن الذى عليه تنبت الخلقة وبه نبت اللحم ونشر العظم أو اخترته لأنه الحلال الدائم فى دين الإسلام بخلاف الخمر فستحرم وهى أم الخبائث جالبة لأنواع الشر حالا ومثالا، وبما ذكرته أولا قال النووى، وقال القرطبى يحتمل أنه سمى اللبن قطرة لأنه أول شئ يدخل جوف المولود ويشق أمعاءه والسر فى ميله - صلى الله عليه وسلم - إليه كونه مألوفا له، وترد القريبى القرطبى والغيطى فى كون تلك الخمر من الجنة أو لا فعلى أنها منها توقاها لمشابهة الخمر التى ستحرم وهى خمر الدنيا، حرمت فى المدينة وعلى أنها من الدنيا فتوقاها تورعا وتعريضا بأنها ستحرم ولما وافق الصواب قال له جبريل أصبت الفطرة، وروى أصبت أصاب الله بك، قال ابن المنير اتخذ شرابا حلالا ولو ماء وضاهى به الخمر فى الصورة وهيأه بالهيئة التى يتعاطاها أهل الشهوات فى اجتماع وآلات فقد أتى منكرا ولا يجد وقد ذكر مثل ذلك صاحب المعلقات وهو من أصحابنا الأباضية لكنه مجهول فالتحقيق أن ماء البن بلام واحدة وباء مضمومة ونون مشددة المسمى بالقهوة يحرم من حيث تسميته بالخمر وهى لفظ القهوة والاجتماع عليه بهيئة مخصوصة وآلة، فإن لم يكن ذلك لم يحرم ولو سماه شاربه الخمر قهوة مع أن القهوة من أسماء الخمر إذا لم يعرف معنى هذا الاسم أو عرف ولكن لم ينو المضاهاة، وعن بعض أنه أتى بإناء خمر وإناء لبن بعد ما خرج من المسجد ولم يذكر ثالثا. وروى شداد وأوس أنه أتى بإناء لبن وإناء عسل فأخذ العسل بهداية الله فقال جبريل للملك الذى ناوله أخذ صاحبك الفطرة، وذكر ابن كثير وغيره أنه أتى بالأوانى أيضا عند سدرة المنتهى، قال جبريل أيضا أصبت الفطرة للتأكيد والتحذير فيما سواه ثم أتى بالمعراج الذى تصعد عليه أرواح بنى آدم غير المشركين مع الملائكة بعد قبضها حتى تأتى الدار البيضاء تحت العرش فتسجد ثم تؤمر بالرجوع حتى تحضر الدفن وما يفعل بجسدها ولم تر الخلائق أحسن من المعراج يراه المحتضر له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب أحد جانبيه ياقوتة حمراء والآخر زمردة خضراء، وهو من جنة الفردوس منضد باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة ليصعد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل عليه السلام إلى السماوات ليرى فيهن قدرة الله وآياته كما قال { لنريه } وقرأ الحسن ليريه بالتحتية التفاتا عن قوله باركنا، وقال أيضا بعد أنه هو والالتفات من طريق البلاغة، { من آياتنا } فى السماوات فإنما أسرى به إلى بيت المقدس ليسرى منه إلى السماوات فيرى الآيات وقد رأى آيات عظاما سأذكرها إن شاء الله لك، وهى أعظم وأكثر مما رأى إبراهيم الخليل عليه السلام، ولو ذكرت بمن التبعضية لأن إبراهيم رأى ملكوت السماوات والأرض وهى بعض الآيات، وآيات الله أعم رؤيا منها أكثر مما رأى إبراهيم ويحتمل أن يراد لنريه من آياتنا فى طريقه إلى المسجد الأقصى وفى طريقه إلى السماوات، وذلك كله فى ليلة واحدة على الراجح وبما قررت به الآية يعلم بطلان استدلال بعض، على أن المعراج كان فى ليلة غير ليلة الإسرى إلى المسجد الأقصى بالآية، لأن الإسراء إلى السماوات لم يذكر هنا وإنما قدم الإسرى إليه على المعراج ليعرج منه مستويا وقصدا لتفاؤته بالاستقامة وفى رؤيته بيت المقدس مطلقا فوائد منها إظهار الحق على من عاند لأنه لو عرج به إلى السماء من مكة ولم ير المقدس فى ذهابه ولا رجوعه لم يجد لرد معاندتهم سبيلا إلى البيان والإيضاح وقد سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا رأوها فأخبرهم بما يصدقونه، فيلزم أن يصدقوه فى بقية ما ذكر من العروج ومنها أن يرى القبلة التى صلى إليها زمانا كما عرف الكعبة التى صلى إليها ومنها أن المسجد الأقصى مجمع أرواح الأنبياء عليهم السلام فاراد أن يشرفهم بزيارته - صلى الله عليه وسلم - ولما ارتقى هو وجبريل على المرقاة الأولى ارتفعت بهما خمسمائة عام حتى بلغا السماء كما أن بين الدرجتين فى الجنة خمسمائة عام تنحط الدرجة كالجمل المبرك فيصعد عليها ولى الله ثم ترتفع إلى مكانها والظاهر أنه سلم واحد خرق السماوات السبع من الأرض لا سبع سلالم لكل سماء سلم، وفى كلام بعض ما يدل على أنه ارتقى على البراق والمشهور ما ذكرته، ورأيت فى كلام البخارى نصا عن أنس أنه ارتقى على البراق وهو حسن ولو اشتهى أنه ارتقى على السلم، ولما ارتقيا بلغا بابا من أبواب السماء الدنيا يقال له باب الحفظة عليه ملائكة يحفظون السماوات من الشياطين لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويحفظون الوحى النازل عليه - صلى الله عليه وسلم - ولكل أمة باب فى السماء الأولى وقيل لكل شخص بابان، باب ينزل منه رزقه وباب يصعد منه عمله، وقيل للسماء باب واحد ينزل منه الرزق وتصعد منه الأعمال، وعليه فالجمع باعتبار تعدد الأمور الصاعدة منه والنازلة وعلى هذه السماء ملك يسكن الهواء أسفلها قريبا منها هو خازنها وقائمها، ويسمى إسماعيل أى مطيع الله لم يصعد إلى السماء بالدخول فيها قط وقيل يدخلها ولا يصعد إلى الثانية ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه نزل مع ملك الموت ثم رجع وذكروا أن بين يديه فى خدمته سبعين ألف ملك، وعن أبى سعيد اثنا عشر ألف ملك، ألف ملك جند كل ملك مائة ألف ملك، فاستفتح جبريل باب السماء بالقرع وكان صوته معروفا ولكونه بالقرع قيل من هذا وإنما لم يفتح قبل مجئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أبلغ فى الكرامة ليلم أن الفتح لأجله ولإطلاعه على أنه معروف عند أهل السماء، بدليل قولهم أبعث إليه ولم يقولوا ومن محمد وكذلك فى كل سماء ولما استفتح قال له أهل السماء من هذا.
Unknown page