Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
قال ابن المنير فبلغ أعلى السماوات فى سبع خطوات. وعن ابن مسعود كان إذا أتى على جبال ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه، رواه أبو يعلى والبزار، ومعنى ارتفعت طالت وذلك رفقا براكبه. وروى ابن سعد له جناحان، ذكره الواقدى وذكر الغبطى أن له جناحين فى فخذيه يحفر بهما رجليه أى يعين، وكان فى فخذيه لئلا يتضرر راكبه وأنه مضطرب الأذنين أى محركهما دائما، وقيل طويلهما، وعن ابن عباس بسند ضعيف له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر وكان صدره ياقوتة حمراء ولما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يركبه استصعب فقال له جبريل ما حملك على هذا، ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه فارفض عرقا أى سال وجرى عرقه بسبب العتاب. رواه الترمذى وابن حبان، قال الترمذى حسن غريب. وقال ابن حبان صحيح. وذكر ابن اسحاق عن قتادة أنه استصعب فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحى يا براق، فوالله ما أركبك خلق اكرم على الله منه فاستحى حتى ارفض عرقا وقر حتى ركبه، وهو مرسل لأنه أسقط ذكر الصحابى وهو أنس. وفى رواية ويثمة عند ابن اسحاق تعست حتى لصقت بالأرض فاستويت عليها وفى رواية ابن سعد فى شرف المصطفى فكان الذى أمسك بركابه جبريل وبزمام البراق ميكائيل أى بمقوده، وأما اللجام فكان بيده - صلى الله عليه وسلم - وذكر أن جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وذكر أن جبريل ركب أمامه على ذلك البراق وذكر أنه ركب خلفه ويجمع بين هذه الروايات بأنه تارة يفعل كذا وتارة يفعل كذا، وإنما استصعب ليضمن - صلى الله عليه وسلم - له الجنة أو لأنه لم يذلل قبل ذلك إن قلنا إنه لم يركبه أحد قبله - صلى الله عليه وسلم - أو لبعد العهد بركوبه إن قلنا إنه ركب قبله أو للزهو بركوبه - صلى الله عليه وسلم - والطرب به وعليه فإنما أراد جبريل بقوله ما حملك على هذا وقوله ألا تستحى زجره عما يوهم الامتناع أو استنطاقه بأنه لم يرد الامتناع فعرق خجلا من العتاب وما أوهمه استصعابه. وفى مسند أحمد عن حذيفة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبراق فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس وهذا يفكر على الجمع المذكور بين الروايات آنفا لكن لم يسند حذيفة ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولعله قاله عن اجتهاد أو جبريل بالنصب على المعية والمصاحبة فى مجرد السير دون الركوب أو بالرفع على الابتداء أى وجبريل سائق أو قائد، وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريل وميكائيل إلى أن بلغوا أرضا ذات نخل.
فقال له جبريل انزل فصل هنا ففعل ثم ركب. فقال له اتدرى اين صليت. قال لا. قال صليت بطيبة أى المدينة وإليهما الهجرة. وروى المهاجر فقيل بضم الميم وفتح الجيم مصدر ميمى بوزن مفاعلة لكن أسقطت التاء شذوذا وكان الإسراء قبلها بعام ونصف على الراجح فانطلق البراق يهوى به أى يسرع فهو مجاز مرسل تبعى علاقته اللزوم لأنه يلزم من الهوى الإسراع أو شبه مشية بالهوى بجماع غاية السرعة يضع حافره حيث أدرك طرفه ويسمى الحافر لأنه يحفر الأرض وهكذا سائر حوافر الدواب، فقال له جبريل انزل فصل هنا ففعل ثم ركب فقال له أتدرى أين صليت. قال لا. قال صليت بمدين عند شجرة موسى، ومدين بلد بالشام تلقاء غزة، والشجرة هى التى استظل بها موسى عليه السلام، وأسند ظهره ليستريح حين اتهم بقتل القبطى فهرب، وقال الحلبى هى التى سمع منها النداء
يا موسى إنى أنا الله رب العالمين
والراجح الأول ثم ركب فانطلق البراق يهوى به ثم قال له انزل فصل، ففعل ثم ركب فقال أتدرى أين صليت. قال لا. قال صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى وهو جبل بالشام، وفى كلام بعض جبل بين مصر وإيليا، ويقال طور سنين، وقد أقسم الله جل جلاله به وألفه للإلحاق لا للتأنيث فإنما منع الصرف للعلمية مع العجمة أو مع التأنيث على إرادة البقعة ثم بلغوا أرضا وبدت قصور فقال له انزل فصل، ففعل، ثم ركب وانطلق البراق يهوى به، فقال له أتدرى أين صليت. قال لا. قال صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم، وهو قرية بالشام تلقاء بين المقدس سميت بذلك لأن اللحم يطلق على البيت الذى يغتاب فيه الناس، فلعل هذه القرية كانت محل اغتياب الناس كما فى القاموس وجملة المواضع التى صلى فيها فى طريقه إلى المقدس أربعة، وذكر شداد ابن أوس أنه صلى فى ثلاثة واسقط الصلاة عند الشجرة، وذكر مر بمدين بأرض بيضاء هى مدين فأمره بالصلاة فيها ذكره البزار والطبرانى والبيهقى مصححا له فى دلائله وبين ما هو يسير على البراق إذ رأى عفريتا من الجن يطالبه بشعلة من نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما التفت رآه. فقال له جبريل ألا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفشت شعلته وخر لفيه أى على فيه، وكذلك كناية عن الموت فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلى فقال جبريل قل أعوذ بوجه الكريم وبكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ فى الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فترة الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.
فقالها، فانكب العفريت لفيه وانطفأت شعلته وكلمات الله القرآن والتامات صفة كاشفة وما ينزل من السماء البلايا والمصايب كالزلازل والصواعق وما يعرج فيها هو سؤال الأعمال التى هى سبب نزول البلاء، وذرأ خلق وما يخرج من الأرض نبات ودواب مضرة ومعنى فترة الليل والنهار سكون الأصوات فيهما وفى نسخة فتن الليل والنهار جمع فتنة وهى الميل عن الله وطارق الليل والنهار ما يحدث بغتة فساروا وأتى على قوم يزرعون فى يوم ويحصدون فى وقت والمراد باليوم الوقت، فلا يقال انه لم يمكث عندهم يومين كلما حصدوا شيئا عاد كما كان فقال يا جبريل ما هذا. قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شئ فهو يخلفه وقوله ما هذا إشارة إلى الفعل فيقدر مضاف فى المبتدأ ومضاف فى الخبر أى كفعل هؤلاء فعل المجاهدين أو استعمل ما فى العقلاء استنكارا لحالهم حتى كأنهم لم يعرف جنسهم والمراد بالحسنة النفقة وغيرها وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -
" كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف "
إن هذه المضاعفة لا تختص بالمجاهدين. وقد يقال تكرر الجزاء هذا العدد المذكور لا يتخلف فى المجاهدين بخلاف غير وساروا ووجد ريحا طيبة فقال يا جبريل ما هذه الرائحة. فقال رائحة ماشطة بنت فرعون، ورائحة أولادها وهى امرأة حزقيل خازن فرعون واسمها قنه، بينما هى تمشط بنت فرعون أى تسرح شعرها إذ سقط المشط بتثليث الميم، فقالت بسم الله تعس فرعون. فقالت ابنة فرعون أو لك رب غير أبى؟ فقالت نعم؟ قالت أفأخبر بذلك أبى. قالت نعم. فدعاها، فقال ألك رب غيرى؟ قالت نعم. ربى وربك الله الذى خلقنا ورزقنا ويميتنا ويحيينا رب السماوات والأرض لا شريك له، وكان للماشطة ابنان كبيران وولد صغير ذكر وقيل أنثى وزوج، فأرسل إليهم فرعون فحضروا، فراود المرأة وزوجها إن يرجعا عن دينهما فأبيا. فقال إنى قاتلكما. قالت إحسانا منك إن قتلتنا أن تدفننا فى بيت واحد. قال ذلك بما لك علينا من الحق وهو الخدمة. والتقدير أحسن إلينا إحسانا منك فأمر ببقرة من نحاس أى بقدرة كبيرة واسعة من التبقر وهو التوسع أو تسع بقرة تامة بتوابلها وروى بنقرة بالنون وهى قدر يسخن فيها الماء أو غيره فاحميت، وروى أنه أحمى فيهما زيت طيب فألقوا فيها واحدا واحدا وابتدأ بالأولاد للتخويف والحسرة حتى بلغوا الرضيع وكانت تحمله فتأخرت قليلا، فقال يا أماه قعى بفتح القاف فعل أمر من الوقوع ولا تقاعسى بفتح التاء أى لا تقاعسى أى لا تتأخرى فإنك على الحق فألقيت هى وأولاها، وأما زوجها فأرسل إليه فرعون فى طلبه فقيل إنه أوى إلى موضع كذا.
. بجبل كذا.. كذا فبعث فى طلبه وأتى على قوم ترضخ رءوسهم كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شئ فقال جبريل من هؤلاء قال الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة أى يكسلون من الأمم السالفة لأن الصلاة لم تفرض حينئذ ومثل له حال من يكون بهذا الوصف من هذه الأمة فيكون إخبارا بما سيكون ثم أتى على قوم عراة على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون فى أودية جهنم كالإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم أى حجارتها المحماة فقال من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئا قيل عوقبوا بذلك لأنهم يمنعونها ليزينوا بها ملابسهم ويوفوا بها مأكلهم ومشاربهم ويتفكهوا بها فأبدلوا الرقاع والعراء بدل الملابس المزينة وأبدلوا الضريع والزقوم والرضف بدل المآكل والمشارب الطيبة والمراد من يمنعها من الأمم السابقة لأنها لم تفرض حينئذ ومن يمنعها من هذه الأمة فيكون إخبارا بما سيكون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" ينزل فى كل سنة اثنتان وسبعون لعنة لعنة على اليهود ولعنة على النصارى وسبعون على مانع الزكاة "
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج فى قدور ولحم آخر فى قدور نى خبيث فجعلوا يأكلون من النى الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتى امرأة خبيثة والمرأة تأتى غير زوجها ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب ولا شئ إلا حرقته فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه أى يمنعون من سلوكه وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل جبريل ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ورأى رجلا يسبح فى نهر من دم أى يعوم يلقم الحجارة أى ترميه الملائكة بالحجارة فى فيه فقال ما هذا يا جبريل؟ فقال هذا مثل آكل الربوا أى آخذه فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب على السبب ونكتته أن الأكل أعظم منافع المال ثم أتى على رجل جمع حزمة حطب بضم الحاء الأولى وكسرها لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها ويريد أن يتحمل عليها قيل المراد بالأمانات ما يشمل أيضا الوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنصح وسائر ما يجب للمسلم وأتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، وروى من نار كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة خطباء أمتك أى بعض خطباء أمتك وهو بدل بعض يقولون ما لا يفعلون والمراد بالخطباء ما يشتمل الوعاظ والمدرسين والعلماء وغيرهم وأضافهم إلى الفتنة إضافة سبب لمسبب لأن حالهم سبب للإفتان لمناقضة أقوالهم أفعالهم.
Unknown page