Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
، رواه الحاكم عن عائشة { وسرابيل } دروعا من حديد وما يلبس للحرب { تقيكم بأسكم } حربكم أو أن يصيبكم السلاح { كذلك } أى كإتمام هذه النعم التى تقدمت أو كما خلق هذه النعم { يتم نعمته عليكم } أى يتم نعمته عليكم كما رأيتم أو يتم عليكم نعمته بالدين والإتمام هو بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم يأمر بالدين { لعلكم تسلمون } تؤمنون إذا نظرتم فى النعم وفيما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تنقادون لحكمه وتخلصون العبادة والألوهية لله سبحانه وتعالى والخطاب لأهل مكة والمضارع فى يتم نعمته للحال وتسلمون للاستقبال.
وقرأ ابن عباس تسلمون بفتح التاء واللام من السلامة أى تنجون من العذاب إذا شكرتم وآمنتم أو من الشرك أو تنجون من الجراح بلبس السرابيل التى هى الدروع فى الحرب. وهو المروى عن ابن عباس.
[16.82]
{ فإن تولوا } أعرضوا عن الإيمان بك والنظر فى النعم والآيات والجواب محذوف أى فلا يضرك إعراضهم أو توليتم. هو مسبب أنيب عنه سببه وهو قوله عز وجل { فإنما عليك البلاغ المبين } وهو علة لذلك الجواب أى لا يضرك لأنه ليس عليك إلا التبليغ فبلاغ اسم مصدر أو أن يبلغهم منك ما أمرت به فهو مصدر والمبين من إبان اللازم أى البلاغ الواضح أو من إبان المتعدى أى البلاغ الموضح لما أبهم عنهم قبل ذلك منسوخ بالقتال والظاهر أنه ليس المراد فيه النهى عن القتال فضلا عن أن ينسخ به بل المراد به أنك قد قضيت ما عليك فلا يلحقك من تقصيرهم شىء.
[16.83]
{ يعرفون نعمة الله } أى نعمه التى عددها فى هذه السورة وغيرها يعترفون بأنها منه { ثم ينكرونها } بعبادة غير الله سبحانه وتعالى فإن عبادة غيره بمنزلة قولهم أنها ليست من الله سبحانه وتعالى بل يقولون هى شفاعة آلهتنا أو بسبب كذا كقولهم مطرنا بنوء كذا أو ينكرونها بعدم شكرها أو بقولهم ورثنا من آبائنا إذا قيل لهم تصدقوا منها وامتثلوا أمر الله وقيل بقولهم لولا فلان لما كان كذا وقيل نعمة الله بنبوة محمد ورسالته صلى الله عليه وسلم يعرفونها بالمعجزات ثم ينكرونها عنادا وثم للتراخى فى الذى هو بمعنى الاستبعاد دلت على أن إنكارهم بعد المعرفة بعيدا فى العقل غريب شبه هذا البعيد بالمهملة بين فعلين، فعبر عنه بثم الموضوعة لها وإنما يكون قول الإنسان لولا فلان لكان كذا إذا لم يعتقد أنه من الله { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم وللنعم عنادا وعبر بالأكثر لأن منهم أطفالا ومجانين وناقصى العقل بحيث لا يكلف وذلك على أن الضمير لكفار مكة ومن يتعلق بهم لكن بدون قيد الكفر، كأنه قيل أكثركم أيها الفريق المكى والقرشى أو عبر بالأكثر لأن بعضا فرط فى النظر فلم ينظر أو نظر نظرا ضعيفا فلم يصدق عليه فى اللغة أنه جاحد ولو صدق عليه شرعا أو عبر بالأكثر مزيدا به الجاحد المعاند وبعضهم ليس معاندا بالجحود ولو جحد وكفر وقيل أراد بالأكثر لكل كما هو أحد أوجهه فى قوله تعالى
بل أكثرهم لا يعلمون
[16.84-85]
{ ويوم نبعث } أى واذكر يوم نبعث للشهادة أو خوفهم يوم نبعث للشهادة فيوم مفعول به لمحذوف أو يحيق بهم ما يحيق من الذل والعذاب يوم نبعث ويقعون فى أمر عظيم يوم نبعث فيوم ظرف وذلك اليوم يوم قيام الناس من قبورهم والبعث الإقامة من القبر أو من بين الناس فى المحشر أى ويوم نبعث { من كل أمة شهيدا } يشهد عليها ولها بإيمان من آمن منها وكفر من كفر وبالتبليغ وهو نبيها ويجوز أن يبعث الله شهودا مع الأنبياء من الصالحين قيل إن شهداء كل أمة يشهدون لرسولها بالتبليغ وكما قال بعض الصحابة إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة وإن قلت كيف يقال على الوجه الأول ويوم نبعث من القبر شهيدا من كل أمة مع إيهام أن الأمة لا تبعث قلت لا إيهام لأن البعث إنما هو لجزائهم بما عملوا فبعثه دليل على بعثهم، ولأن السياق وغيره من الآى نص فى بعثهم ولكن خص بذكر البعث لمزيته ونظم أمر الشهادة بعده { ثم لا يؤذن للذين كفروا } فى الاعتذار لأنه لا عذر لهم وفى الكلام أصلا وذلك فى بعض مواطن المحشر ولا اعتذار ولا كلام يومئذ إلا بإذن وليس كاليوم فتح الله للناس من باب الكلام فتحا كليا ويجوز أن يراد بعدم الإذن لهم الإشارة إلى أنه لا حجة لهم ولا عذر وقيل لا يؤذن لهم فى الرجوع إلى الدنيا وقيل لا يؤذن لهم فى معارضة الشهود معارضة صحيحة فمعارضتهم إن وقعت كلا معارضة لأنهم يفتضحون فإنهم إذا كذبوا الأنبياء فى التبليغ بعد شهادة الأنبياء عليهم كذبوهم فتشهد عليهم الشهداء والصلحاء وإن كذبوا الشهداء والصالحين أقام لهم الله ما يصحح شهادتهم وقيل لا يكذبون الشهود من الأنبياء والشهداء والصالحين أصلا بل يقرون بما شهدوا به عليه، وثم للتراخى منزلة منعهم من الاعتذار والكلام والرجوع إلى الدنيا عن منزلة شهادة من يشهد عليهم يومئذ فى العظم فإن منعهم من ذلك أشد إيقاعا فى الهم والغم من الشهادة عليهم لأنه قناط كلى { ولا هم يستعتبون } السين والتاء للطلب والعتبى الرضى، أى لا يطلب منهم أن يوقعوا لله الرضى أى أن يفعلوا ما يرضى به الله عنهم بل يبقيهم فى عدم الرضى عليهم أو العتبى الرجوع إلى ما يرضى به أى لا يطلب ذلك منهم ولا يجدونه ولا يقبل عنهم لأن الآخرة ليست بدار الأعمال بل دار ثواب وعقاب ولا رجوع إلى الدنيا بعد وصول ذلك اليوم أو السين والتاء للتأكيد كأنه قيل ولا هم يعتبون أى لا يكفيهم الله ما عاتبهم الرسل وغيرهم عليه فى الدنيا أو فى الآخرة أيضا بالشهادة عليهم أو ما من شأنه أن يعاتبهم الله عليه، أو ما عاتبهم عليه عتاب توبيخ وقطع عذر، يقال أعتبته إذا كفيته ما عقب فيه كما يقال شكوت إليه فأشكانى أى كفانى المهم الذى شكوت إليه به أو السين والتاء باقيتان على الطلب العتبى الغضب والهمزة من أعتب الرباعى للسلب أى لا يطلب منهم إزالة الغضب الواقع عليهم من الله جل جلاله بالتوبة وليس ذلك خارجا فى المعنى عما رجح بعضهم من قول الطبرى أن المعنى لا يعطون الرجوع إلى الدنيا فتقع منهم توبة وعمل { وإذا رأى الذين ظلموا } كفروا أو ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصى { العذاب } عذاب جهنم ورؤيته المباشر له { فلا يخفف عنهم } أى العذاب والجملة جواب إذا لا كما قيل إن إذا معطوف على يوم بالأوجه السابقة فيه أو يقدر له عامل كعامل يوم لما فى ذلك من إخراجها من الصدر والشرط مطلقا وعن الظرفية إذا جعلت مفعولا به بالعطف على المفعول أو بتقدير عامل { ولا هم ينظرون } يؤخرون عن العذاب بأن يبقوا فى جهنم غير معذبين أو يخرجوا منها، كل ذلك لن يكون وقيل المعنى إذا رأوا العذاب بأعينهم بعد سوقهم إليه أو مجيئه ليخلفهم ولم يمهل عنهم وقيل المعنى لا يردون إلى الدنيا ليؤمنوا ويعملوا صالحا.
[16.86]
Unknown page