Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ والله أخرجكم من بطون } وقرىء بكسر الباء، { أمهاتكم } وقرأ الكسائى بكسر الهمزة تباعا للنون فإذا ابتدأ بأمهات ضمها وقرأ حمزة بكسرها وكسر الميم باتباع الهمزة للنون والميم للهمزة وإذا ابتدأ بأمهات ضم الهمزة وفتح الميم، هذا ما نسب إليهما ويحتمل أنهما قرآ بلغة كسر الهمزة فلا يخلف كسرها وصلا ووقفا والهاء زائدة وشذت زيادتها فى المفرد كقوله أمهتى خندف والياس أى وجملة قوله تعالى { لا تعلمون شيئا } حال من كاف أى اخرجكم من بطون أمهاتكم غير عارفين شيئا ما مستصحبين جهل الجماد الذى هو أصلكم، { وجعل لكم } الواو عاطفة سابق على لاحق فإن جعل السمع والأبصار والأفئدة متقدم على الإخراج ويحتمل أن تكون عاطفة لاحق على سابق باعتبار أن الانتفاع بالسمع والبصر والفؤاد إنما هو بعد الإخراج فكأنها لم تجعل إلا بعده أو بتقدير محذوف أى وجعل لكم سمع السمع ونظر الإبصار وفهم الأفئدة أو منافع السمع والأبصار والأفئدة ويجوز كون الواو للحال المحكية بلا تقدير قد على مذهب وبتقديرها على آخر أى أخرجكم وقد جعل لكم قبل الإخراج، { السمع } أى قوة فى الأذن تدرك الأصوات بعد أو نفس الأذن أو نفس الإدراك للأصوات وهذا مختص بما بعده وذلك لتسمعوا دلائل الكتاب والسنة ومصالح معايشكم { والأبصار } العيون أو القوى المركبة فيها المدركة للألوان ألوان على الواقعة على الأجسام لتبصروا بها نعم الله سبحانه وكبر أجسامكم بعد صغرها وحدوث ما يحدث فيكم وعجائب ومصنوعات لله سبحانه وتعالى فتستدلوا بها على وجوده ووحدانيته وكمال قدرته، { والأفئدة } جمع قلة لفؤاد. والمراد الكثرة ولم يسمع لفؤاد جمع كثرة أى والقلوب لتفهموا بها عظمة الله ودلائل الكتاب والسنة ومصالح معايشكم ودلائل الوحدانية وكمال القدرة وعلى كل حال قد انتقلتم من الجهل الذى أخرجتم عليه من بطون أمهاتكم إلى العلم بهذه الحواس التى هى العيون والآذان وسائر الأعضاء التى تدرك جزئيا الأشياء وتتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بين الأشياء يتكرر الإحساس حتى تتحصل لكم علوم بديهية تتوصلون بها إلى علوم كسبية بالنظر فيها وعلى كل حال قد أخرجكم من ضيق البطون إلى السعة ومن الجهل والرذالة إلى العلم والإنعام بتكميل الأعضاء ومنافعها وسائر النعم فالآية تتضمن استدلالا على القدرة كأمر وتتضمن امتنانا بالنعم واستدعاء للشكر كما صرح به فى قوله جل وعلا. { لعلكم تشكرون } أى لتشكروا ما يتعاقب عليكم من النعم وما يترادف بالإيمان واستعمال هذه الجوارح وغيرها فى العبادة.
[16.79]
{ ألم يروا } ضمائر الخطاب قيل هذا وضمير الغيبة فى هذا، كلها للمشركين وقرأه ابن عامر وحمزة ويعقوب ألم تروا بالمثناة فوق خطابا لهم تأكيدا فى وعظهم على طريق الالتفات أو خطابا للناس عامة، { إلى الطير } عدى يرى بإلى لتضمنه معنى الامتداد والتوجيه أى ألم تمتد أبصارهم أو لم يوجهوها إلى الطير، { مسخرات } حال من الطير أى مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب الموافقة للطيران. { فى جو السماء } فى الهواء المتباعد من الأرض إلى جهة السماء ومثله اللوح والسكاك أبعد منهما. كذا قيل والظاهر أن الجو الهواء بين السماء والأرض قرب أو بعد، وقال بعض الحبو ما يلى الأرض منه. وعن كعب الأحبار رضى الله عنه الطير ترتفع فى الجو اثنى عشر ميلا ولا ترتفع أكثر من ذلك، { ما يمسكهن } أى الطير فى قبضهن وبسطهن ووقوفهن فى الجو { إلا الله } بقدرته فإن طبع أجسامها لثقلها يقتضى سقوطها إذ لا شىء تتعلق به فوقها ولا شىء تعتمد عليه تحتها { إن فى ذلك } المذكور من تمكين الطير بالطيران فى الجو وإمساكها فيه مع أن طبعها الوقوع { لآيات } على أن لها ممسكا أمسكها بالقدرة وذللها لما يصدر منها. { لقوم يؤمنون } خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات تفكرا واعتبارا.
[16.80]
{ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم فى الحضر كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر ومن للتبعيض، فإن من البيوت ما لا يعد للسكنى بل يخزن فيه المال وينزل فيه متاع الضيف ودابته أو دوابكم أو دواب غيركم بل بعض البيت الواحد لا يسكن مثل ظهره وما ليس صالحا للسكنى منه ويجوز أن يكون المعنى من جنس بيوتكم ويجوز كون أن للبيتان المقدم على المبين وهو السكن، أى جعل لكم سكنا هو بيوتكم والسكن فعل بفتحتين بمعنى مفعول كنجا بمعنى منجو أى مسلوخ بمعنى ما يسكن ويصلح أن يكون مسكونا من السكون فى موضع بمعنى اللبث فيه وهو الظاهر هنا أو من السكون إلى كذا أى الاطمئنان إليه لألفة كما يسمى من تألفه بالسكون ولا يخفى أن بيت الإنسان أيضا مألوف { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } كالخيام والقباب والأخبية والفساطيط المتخذة من الجلود المدبوغة وغير المدبوغة والمصبوغة وغير المصبوغة ويجوز أن يراد بالبيوت أنواع البيوت المتخذة من نفس الجلود كما ذكرنا ومما ينبت عليها من صوف ووبر وشعر فإن ما ينبت على الجلد يصدق عليه أنه من الجلد. { تستخفونها } تجدونها خفيفة أو تعتقدون خفتها أو تعدونها خفيفة وهى كذلك يخف عليكم حملها ونقلها { يوم ظعنكم } ارتحالكم للسفر من الحضر لتجر أو جلب نفع أو دفع ضر أو من موضع فى البادية إلى آخر لطلب ماء أو نبات أو غيرهما من المنافع أو دفع ضر فلا يشق عليكم حملها والانتقال بها. وقرأ الكوفيون وابن عامر بإسكان العين وذلك لغتان { ويوم إقامتكم } يخفف عليكم إذا أقمتم فى سفر أو حضر فيها وضعها فى الأرض أو ضربها { ومن أصوافها } أصواف الأنعام الضأن منها فقط وأضيف إليها لأن الضأن من جملتها، { وأوبارها } أوبار الأنعام وإنما الوبر للإبل منها فقط وأضيف للأنعام لأن الإبل منها { وأشعارها } أشعار الأنعام وإنما الشعر للمعز منها وأضيف إلى الأنعام لأنه منها، { أثاثا } ما يلبس ويفرش ويتغطى به ويجعل ستر البيت أو غيره وجلالا للدواب وغير ذلك. وقال ابن عباس الأثاث المال وهو ما ذكرناه من لباس وفراش وغطاء وستر وجلال وغير ذلك وما يتجر من أثمان ذلك ببيع واكتراء ومن أثمان الصوف والوبر والشعر غير معموله، وقال مجاهد الأثاث المتاع أى ما يتمتع به أو نفس التمتع فإن فسرنا متاعا بعده بما فسره به كان عطفه عليه تفسيرا على قوله، وإن فسرنا أحدهما بما يتمتع به والآخر بالتمتع لم يكن تفسيرا، وقال ابن قتيبة وأبو زيد الأنصارى الأثاث المال كله فيشمل ما ذكرناه وما يشترى به من دابة وعبد وغيرهما، وقيل الأثاث ما ينتفع به فى البيت، { ومتاعا } ما يتمتع به أو ما يتجر به أو تمتعا وذكر بعض أن الأثاث ما كثر من الأث البيت وحوائجه وغير ذلك من قولك أث به الشعر أو النبات، أى كثر والتف والمتاع ما ينفع فى البيت خاصة، قال أبو زيد الأثاث واحده أثاثه، وقال غيره لا واحد له من لفظه، { إلى حين } متعلق بمتاعا لأنه إما بمعنى تمتعا أو ما يتمتع به والمراد بالحين حين انقضاء أوطاركم أو حين الموت أو حين فناء ذلك ورثته وبلاه أو زمان مديد لأن ما يعمل من صوف أو وبر أو شعر يبقى مدة مديدة لصلابته وقوته وقيل يوم القيامة وما جعل الله سبحانه وتعالى من قطن وكتان أكثر نفعا وألين وأكثر من الوبر والشعر ولكن خاطبهم بما يليق بهم فى الخطاب ويعرفونه فإنهم أعراب بادية أصحاب ماشية أصحاب صوف ووبر وشعر كما قال وننزل من السماء من جبال فيها من برد فإن الثلج أكثر لكنهم لا يعرفونه أو لم يذكر القطن والكتان إعراضا عما هو لذة وشرف ولباس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف وما خشن، قال ابن العربى فى قوله تعالى لكم فيها دفء دليل على لباس الصوف فهو أولى لباس وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وإشارة الصحابة والتابعين واختيار الزاهدين والعارفين وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية لأنه لباسهم فى الغالب، انتهى.
[16.81]
{ والله جعل لكم مما خلق } من شجر وجبال وأبنية وسحاب وغير ذلك كغيران فى الأرض { ظلالا } تتقون بها حر الشمس وهى جمع ظل وما جعله يقى البرد أكثر وأعظم نفعا لأن تحمل الحر أهون من تحمل البرد ولكنهم لما كانت أرضهم حارة خاطبهم بما يستظلون به عن الحر وكذا الكلام فى قوله بعد تقيكم الحر مع أنه يحتمل أنه لم يقل تقيكم الحر والبرد لذكر الوقاية عن البرد فى أوائل السورة إذ قال لكم فيها دفء فحذفه هنا لذكره وللعلم به وأنه يحتمل أن يكون المراد بحر أو برد بإظلال ما يشرف عليك ويقيك ما يضرك من حر أو برد { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع كن وهو ما يختفى فيه من بيت منحوت فى جبل وغار والاكتنان بالبيوت المنحوتة فى الجبال وبالغيران والشجر ونحو ذلك يعرض للأغنياء إذا خرجوا بلا بيوت أو خرجوا بها ثم إذ تفصلوا عنها ويطابق الفقراء الذين لا بيوت لهم { وجعل لكم سرابيل } ثيابا من الصوف والكتان والقطن أو غير ذلك وهو جمع سربال وهو الثوب مطلقا من جبة أو قميص أو شملة أو سراويل وغير ذلك { تقيكم } تمنعكم { الحر } والبرد وتقدير فى البرد بيان للواقع واشتهر أنه من حذف العاطف والمعطوف فى النحو، وبحث فيه ابن هشام بأن الحذف الذى يلزم للنحوى النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة وذلك أن يجد خبرا بدون المبتدأ أو بالعكس أو شرطا دون جزاء أو بالعكس أو معطوفا دون معطوف عليه أو معمولا دون عامل نحو ليقولن الله ونحو قالوا خيرا ونحو خير عافاك الله وأما قولهم فى نحو سرابيل تقيكم الحر أن التقدير والبرد وفى تلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرائيل أن التقدير ولم تعبدنى ففضول فى علم النحو وإنما ذلك للمفسر انتهى. وخص الحر بالذكر لما مر أو لأن وقاية الحر كانت عندهم أهم لأن بلاد الحجاز حارة وما يهمهم البرد لكونه يسيرا يحتملونه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمل به فى حياتى ثم عمد إلى الثوب الذى خلق فتصدق به، كان فى كنف الله وفى حفظ الله وفى ستر الله حيا وميتا "
رواه الترمذى عن عمر رضى الله عنه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار فحمد الله عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له "
Unknown page