Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
" لأزيدن على السبعين "
يحتمل فيما قيل أن يكون إظهارا لغاية رحمته، كقول إبراهيم
ومن عصانى فإنك غفور رحيم
تعليما لنا أن نتراحم. وذكر بعض أنه قال
" لو علمت أنى إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت "
وقد يستدل بذلك على أن هؤلاء المنافقين ونحوهم فى عصره صلى الله عليه وسلم غير مشركين، وإلا لم يستغفر لهم كذا قيل، وقد يبحث فيه على طريق مذهب القائل وهو منا بأنه أيضا لا يستغفر لهم إذا كانوا منافقين بمعنى ذوى كبائر غير شرك، والظاهر أنه أسروا ما هو شرك، وربما نطقوا به كقولهم إنما القرآن كلامه لا كلام الله، وليس النفاق مختصا فى عصره بمن يفعل كبائر غير شرك كما قال جمهور أصحابنا وشددوا على من قال بخلافه، ولا بمن أسر شركا كما زعم المخالفون، بل يوجد الفريقان، وأولى ما يتخرج عليه فى استغفاره أنه يأخذ بظاهر قولهم إنا لم نفعل، وإنا تبنا ما لم ينزل النص على النهى، أو على تعيين شقاوة أحد، ثم إنه لا مانع من أن يقال إن استغفاره لأهل الكبائر غير الشرك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ، وقد نهاه عن الاستغفار للمشركين، إذ قال
ما كان للنبى والذين آمنوا
الآية. { ذلك } المذكور من انتفاء المغفرة { بأنهم كفروا بالله ورسوله } أى بسبب كفرهم الصارف عنها، لا لبخل منا، ولا لقصور فى استغفارك، ووصفهم بأنهم كفروا بالله ورسوله ظاهر فى أنهم أسروا الشرك، إذ لا يقال لذى الكبيرة كفر بالله ورسوله، وإذا قلنا إنهم مشركون ففى الوعيد على اللمز والسخرية الواقعين منهم دلالة على أن المشركين مخاطبون بفروع الشريعة. { والله لا يهدى القوم الفاسقين } المصرين على الفسق ولا مغفرة للمصر.
[9.81]
{ فرح المخلفون } أى المتروكون خلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركهم خلفه ومضى لتبوك، فكأنه قيل فرح الذين خلفهم رسول الله، أو خلفهم الله، أى تركهم خلف رسوله، وأبعدهم من مقام الخير، فالمخلف أذم من المتخلف، أو خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان. { بمقعدهم } مصدر ميمى، أى لقعودهم عن الغزو فى المدينة خلاف رسول الله بمعنى بعد متعلق بمقعد، فهو كخلف، ويدل له قراءة ابن عباس، وأبى حيوة خلف رسول الله، أو مصدر خالف فيكون حالا مبالغة، أو بتقدير ذوى خلاف، أو بتأويله بمخالفين كذا قيل، وهو إنما يتم على جواز تعريف الحال، فإن إضافة خلاف محضة، ولو فى حال وتأويله بالوصف لأن ذلك الوصف ماضر بالنسبة إلى زمان التكلم، أو مفعول لأجله، أى لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويناسب المصدرية قراءة بعضهم خلف بضم الخاء وإسكان اللام. { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله } ذم لهم بإيثارهم الراحة ونعمة الدنيا على طاعة الله، يتضمن مدحا للمؤمنين بإيثارهم رضا الله سبحانه وتعالى ببذل أموالهم وأنفسهم { وقالوا } للمؤمنين تثبيط أو إغراء بالتأخير إلى زوال الحر، أو قال بعضهم لبعض، وقال محمد بن كعب، القائل رجل من بنى غلمة، وأؤيد أنهم قالوا للمؤمنين ما روى عن ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر فى الحر. { لا تنفروا فى الحر } وكانت غزوة تبوك فى شدة الحر { قل } يا محمد لمن قال ذلك { نار جهنم أشد حرا } من الشمس وهى جزاؤكم غدا آثرتموها بهذه المخالفة وقوله { لو كانوا يفقهون } مستأنف ليس من جملة المأمور بقوله، وجواب لو محذوف، والتقدير لو كانوا يفقهون أنها مرجعهم إن تخلفوا، وكيف هى ما فعلوا ما يوجبها، أو لو كانوا يفقهون لعلموا أنها أشد حرا، ويجوز أن يكون غير مستأنف عن القول بأن يقدر قل فى شأنهم نار جهنم أشد حرا لو كانوا من الفقه.
Unknown page