Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة فى تواضعه، وإظهارا لشدة غضبه، والمشقة عليه فى فعل الفاحشة بأضيافه، طمعا فى أن يستحيوا ويرقوا له فيتركوهم، ولم يرد التزويج على التحقيق، وقد علموا أنه لا مناكحة بينه وبينهم. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير أراد بالبنات نساء قومه، فإن كل نبى أبو أمته من حيث الشفقة، ويأتى كلام فى هذا فى الأحزاب إن شاء الله، وصححه بعضهم. { هن أطهر } أحل { لكم } من الذكور، وكانت الذكور طاهرة عندهم أيضا، فجاء التفضيل على معتقدهم، أو أراد أنهن أطيب وأنظف من الذكور، أو أظهر خارج عن التفضيل بمعنى طاهرة، أو باق عليه على تقدير هن أطهر من الذكور إن كانوا طاهرين، هذا ما ظهر لى من الأوجه، وقرأ ابن مروان بنصب أطهر، وضعفه سيبويه، وعن بعضهم أن مروان اختبأ فى لحنه، وقال أبو عمرو بن العلاء من قرأهن أطهر بالنصب فقد تربع فى لحنه، قال ابن هشام يشترط فى ضمير الفصل كونه مبتدأ فى الحال أو فى الأصل، وأجاز الأخفش وقوع ضمير الفصل بين الحال وصاحبه، كجاء زيد هو ضاحكا، وجعل منه { هؤلاء بناتى هن أطهر لكم } فيمن نصب أطهر، ولحن أبو عمرو من قرأ بذلك، وقد خرجت على أن { هؤلاء بناتى } جملة وهن إما توكيد لضمير مستتر بالخبر، أو مبتدأ ولكم الخبر، وعليهما فأطهر حال، وفيهما نظر. أما الأول فلأن بناتى جامد غير مؤول بالمشتق، فلا يحتمل ضميرا عند البصريين. وأما الثانى فلأن الحال لا تتقدم على عاملها الظرفى عند أكثرهم انتهى. وهذا على أن أطهر حال من المستتر فى لكم، ولا مانع من جعله حالا من بناتى على حد ما مر فى
وهذا بعلى شيخا
فيتعلق لكم بأظهر كما فى قراءة الرفع، ويجوز كون بناتى خبرا، وهن مبتدأ وبالعكس، والجملة خبر هؤلاء فإنه يجوز هذا اخى هو على، إن أخى مبتدأ خبره هو راجعا إلى هذا وعكسه، فيكون أظهر حالا من الخبر فى الجملة المخبر بها على الإشارة، ويجوز كون بناتى بدلا من هؤلاء، وهؤلاء مفعول لمحذوف أى خذوا أو تزجوا، وأظهر حال منصوب بذلك المحذوف، وهن ضمير فصل على طريق الأخفش فى إجازته بين الحال وذى الحال، والجمهور على خلافه. { فاتقوا الله } باختيار النساء، أو بناتى على الذكور أو الأضياف، أو بترك الفواحش كإتيان الذكور، والكفر، والمعاصى { ولا تخزون فى ضيفى } لا تهينونى ولا تفضحونى فى شأنهم وحقهم، وأخزأ ضيف الرجل أو جاره إخزاءة كما قال وظلم الجار إذلال المجير، ولا تخجلونى فيهم من الخزية بمعنى الحياء، وذلك من بليغ الكرم والمروءة وأصالتهما، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء فى تخزونى فى الوصل. { أليس منكم رجل } واحد { رشيد } مؤمن أو صالح، أو ذو مروءة، يأمر بالحق، وينهى عن القبيح، أو يهتدى إلى الحق ويكف عن القبيح، أى ليس فيكم ولو واحد، والاستفهام توبيخ.
[11.79]
{ قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق } لأنك امتنعت من أن تزوجنا بهن، لما تدعى فينا من سوء، ولم ترنا أكفاء لهن، أو لأنك اشترطت الإسلام وما نريده، وما عرضك إياهن علينا إلا دفع عن ضيفك، وقيل ما لنا فيهن حاجة ولا شهوة. { وإنك لتعلم ما نريد } من إتيان الذكور أو أضيافك.
[11.80]
{ قال } لوط اعتذارا لضيفه { لو أن لى بكم قوة } أى لو ثبت أن لى بكم قوة، والباء للإلصاق، أو بمعنى على، أو فى متعلق بقوة، أو بما يتعلق به لى، أو بمحذوف حال من قوة أو من ضميرها فى لى. { أو آوى } عطف على جملة ثبت أن لى بكم قوة، أو على الاسمية فقط، ومعناه الحاء، وأو للتمنى أو شرطية يقدر جوابها بعد قوله { شديد } أى لامتنعت منكم، أو لدافعتكم ولقاتلتكم، أو لحفظت عنكم وقرأ أو آوى بالنصب عطف على اسم خالص وهو قوة، أعنى أنه منصوب بأن مضمرة جوازا ومصدره معطوف على قوة، أى آويا بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء { إلى ركن } وقرئ بضم الكاف كالراء { شديد } أراد جماعة، أو قوما، أو عشيرة أو نحو ذلك، شبه ما ذكر بركن الجبل فى الشدة. روى الحسن وأبو هريرة فى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" رحم الله أخى لوطا كان يأوى إلى ركن شديد "
ومراده استغراب التجاء لوط إلى ركن شديد من الناس، مع أنه لا ركن أشد من الله، وليس مراده أنه لم يلتجئ إلى الله ويجوز أن يكون المراد أن لوطا قد التجأ إلى الركن الشديد وهو الله، أو نصره فهو كافيه عن طلب سواه. روى أن الملائكة وصلوا من إبراهيم إلى لوط نصف النهار، ووجدوه فى حرثه يسقيه، فسألوه الضيافة فقال اجلسوا حتى أفرغ لكم، فتوجه بهم إلى منزله، وقد قال الله لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، أى كما فى الشهادة على الزنى، فإنها بأربعة رجال، وروى حتى يشهد ثلاث شهادات، وأنزلهم فى داره، وجاء قومه، وغلق الباب، فجعل يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، فعالجوا فتحه فلم ينفتح، وجعلوا يتسورون الجدار. وعن الحسن لم يبعث الله نبيا بعد لوط إلا فى عزة من قومه، وقال بعض فى قوة من قومه، ولما رأى الملائكة ذلك، وما يلقى لوط منهم قالوا إن ركنك شدند، وقالوا ما حكى الله عنهم بقوله { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا }.
[11.81]
Unknown page