1323

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ قالوا } أى الرسل الذين هم ملائكة { يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا } أى قومك بمكروه { إليك } إلى إضرارك، وذلك أن إضرار ضيف الرجل إضرار بالرجل، فافتح الباب وخلنا وإياهم، ففتح فدخلوا، وطمس جبريل أعينهم، وقد مر ذلك، وقوله { لن يصلوا إليك } ايضا لقوله { إنا رسل ربك } لأنه لا يصلون إليه ومعه رسل الله. { فأسر } بوصل الهمزة من السرى الثلاثى عند نافع، وابن كثير، حيث وقع بالقرآن بالفاء أو بغيرها، وقرأ الباقون بقطع الهمزة من الإسراء الرباعى { بأهلك بقطع من الليل } طائفة منه، قال الضحاك أمروه بالسرى آخر الليل، وقيل أوسطه بعد مضى أوله، وعليه قتادة، وقيل السحر الأول. { ولا يلتفت منكم أحد } أى لا تلتفت أنت يا لوط، ولا من يسرى معك إلى خلف لئلا يرى عظم ما نزل بهم { إلا امرأتك } بالنصب على الاستثناء المنقطع، أى لكن امرأته لا تنجوا مع أنها تسرى معك. هذا ما ظهر لى، وقد سرت معه، والتفتت إذ سمعت هذه فقالت واقوماه، فجاء حجر فقتلها، وقد أمرها لوط وغيرها بعدم الالتفات وعصته فالتفتت، وهذا أولى من أن يقال أمرها بالالتفات أو لم ينهى عنه لمصلحة أن تموت، وإنما صح الانقطاع مع شمول لفظ أحد، أو أهل لها، لأن الاستثناء لم يكن على طريق الإسراء والالتفات، بل على طريق عدم النجاة لبطل منع بعض لذلك. وأيضا المراد بالأهل واحد، المؤمنون، وقيل المعنى لا يتخلف عن السرى منكم أحد إلا امرأتك فلا تسرى بها، فيكون الاستثناء متصلا من أحد، ويؤيده قراءة ابن كثير، وأبى عمرو بالرفع على الإبدال، ولا يمتنع اتفاق السبعة على مرجوح، وكيف يمتنع اتفاق جمهورهم، وذلك أن الباقين قرءوا بالنصب، والراجح فى المستثنى فى الاتصال، والسلب الإبدال، ولا تناقض فى ذلك، وإنما هو كقولك قوموا ولا يبقى منكم قاعد إلا زيد، أو إلا زيدا لكن فى تفسير الالتفات بالتخلف ضعف، وقيل الاستثناء من قوله { فأسر بأهلك } ويؤيده أنه قرئ بإسقاط قوله { ولا يلتفت منكم أحد } على أن الالتفات التخلف، ولا يصح أن يكون الاستثناء من ذلك فى قراءة الرفع، لأن أسر بأهلك مثبت لا منفى، ولا أن يكون من أحد على الانقطاع، والرفع لأن المرأة داخلة فى عموم أحد كذا قيل، ومر فيه بحث. ويضعف الرفع فى انقطاع قيل لا يجوز الاستثناء فى قراءة النصب من أهلك، إن فسرنا الالتفات بالنظر إلى خلف فى السرى، لأن قراءة الرفع تأباه، ولا يحسن تناقض القراءتين فى المعنى، فإن لوطا إن سرى بامرأته فليست مستثناة إلا من قوله { ولا يلتفت منكم أحد } وإن لم يسر بها فليست مستثناة إلا من { فأسر بأهلك } فيلزم أنها سرت ولم تسر، مع أن القصة واحدة، وليس كذلك لجواز أن تسرى بنفسها، ولو منع من أن يسرى بها، ولأن الإسراء مقيد بعدم الالتفات، فكأنه قيل إلا امرأتك فإنها تسرى بالتفات فتلتفت، فلا تناقض أيضا على هذا أو على ما مر إذا قلنا إنه خلفها مع قومها، أو سرى بها فالتفتت للهدة.

وذكر ابن هشام كلاما حاصله أن الزمخشرى قال إن من نصب قدر الاستثناء من الأقل، ومن رفع فمن أحد، وأنه مردود باستلزامه تناقض القراءتين بأن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع، وغير مسرى بها على قراءة النصب، وأن فى هذا الرد نظر، لأن إخراجها من جملة النهى ليدل على أنها مسرى بها، إنها معهم، وإن الحامل له ولغيره على أن الاستثناء فى النصب من الأهل، أن النصب قراءة الأكثر، فلو جعل من أحد لزوم حمل قراءة الأكثر على مرجوح، وقد التزم بعض جواز مجئ قراءة الأكثر على مرجوح. قال والذى اجزم به أن الاستثناء من جملة أسرى فى القراءتين، بدليل سقوط { ولا يلتفت منكم أحد } فى قراءة ابن مسعود، وأن الاستثناء منقطع بدليل سقوطه فى آية الحجر، ولأن المراد بالأهل المؤمنون، وإن لم يكونوا من أهل بيته لا أهل بيته، وأن يكونوا مؤمنين. ووجه الرفع أنه على الابتداء، وما بعد خبر، والمستثنى الجملة، ونظيره

إلا من تولى وكفر فيعذبه الله

واختار أبو شامة أن الاستثناء منقطع، وأنه فى النصب والرفع من أحد، لكن النصب على لغة الحجاز، والرفع على لغة تميم، وفيه أن لغة تميم ضعيفة انتهى. وقيل النهى فى اللفظ لأحد، وفى المعنى للوط. { إنه مصيبها ما أصابهم } أى ما يصيبهم، وكانت منافقة تظهر الإسلام، ومصيب خبر إن، وما فاعل مصيب، أو مصيب خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر، والجملة خبر إن، والمجموع تعليل مستأنف جملى على ما مر، وخبر لامرأتك بالرفع على مختار ابن هشام، وعلل الأمر بالإسراء بقوله { إن موعدهم الصبح } أو هذا مجرد إخبار مستأنف أو استئناف بيانى، كأن لوطا قال متى يكون العذاب، فأجابوه بأن موعدهم الصبح، وقد روى أنه قال لهم ذلك، فأجابوه بأن موعدهم الصبح، فقال إن الصبح بعيد أريد أسرع من ذلك، وروى أنه قال أهلكوهم الآن، فقالوا { أليس الصبح بقريب } وروى أنهم أهلكوا حين شروق الشمس.

[11.82]

{ فلما جاء أمرنا } عذابنا لأنه أمر من الأمور، وأجاب لما بقوله { جعلنا عاليها سافلها } لأنهم حين رفعهم جبريل من تحت مدائنهم إلى السماء، حتى سمع أهلها نباح الكلاب، وصياح الديكة، وبكاء الصبى، ليسوا فى عذاب، ولكنه جاءهم وتوجه إليهم، والعذاب إنما هو من حين قلبها، يجعل العالى سافلا. قال الحسن خسف بهم فهم يتلجلجون فى الأرض إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون قوله { أمرنا } بمعنى أمرنا بعذابهم ولا إشكال فى جعل العالى سافلا مسببا عن أمره بعذابهم، وإنما أسند الجعل إلى نفسه تعالى، مع أنه فعل لجبريل لأنه خالق ذلك الفعل، والأمر به، ولتعظيم ذلك الجعل، وروى أن فيهن أربعمائة ألف، ومر كلام فيهم، ويأتى آخر، قيل خمس مدن أكبرها سدوم، وقيل أربع، وقيل ثلاث. { وأمطرنا عليها } على المدن بعد قلبها، أو على من كان خارجا عنها من أهلها، أو مسافرا { حجارة من سجيل } طين متحجر كالأجر المطبوخ، وسجيل معرب فارسى معناه ماء وطين، وبدل لذلك قوله

حجارة من طين

وذلك قول ابن عباس، وابن جبير، والجمهور، وأصله بالفارسية سنككل، أو سد كل، أو سند وكل. وعن مجاهد معناه بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين، يعنى كل حجر منها كذلك، وقيل من أسجله بمعنى أطلقه وأرسله، لأنها حجارة مرسلة عليهم، أو من أسجله بمعنى أدر عطيته، أى مثل الشئ المرسل، أو من مثل العطية فى الإدرار، أو من السجل أى الكتابة فالمعنى مما كتب لله أن يعذبهم به، وقيل من سجين وهى جهنم، قد أبدلت النون لاما، وقيل اسم لسماء الدنيا، وقيل جبل فى سماء الدنيا، والصحيح الأول. ويرد القول بأنه جهنم، والقول بأنه السماء بقوله { منضود } لأن جهنم والسماء مؤنثان سلمنا أنهما مذكران إذا عبر عنها بسجيل، كما إذا عبر عن المرأة بإنسان، لكنهما ليسا منضودين، إلا إن وصفا بالنضد، باعتبار حجارتهما، فإنها منضودة، ومعنى منضود أنه مهيأ لعذابهم، أو جعل متتابعا، أو مرتكما ملتصقا قبل الإرسال.

[11.83]

{ مسومة عند ربك } معلمة بعلامات أصحابها، كتب فى كل منها اسم من يرمى به بعلامة تتميز بها عن حجارة الأرض، وعن الحسن، والسدى، عليها مثل الخواتيم، وعن عكرمة وقتادة عليها خطوط حمر على هيئة الجزع، وقيل عليها خطوط حمر وبيض، وهو مروى عن الحسن، وقال ابن جريج معلمة بعلامة تتميز بها عن حجارة الأرض، ولا تشاكلها، وقيل معلمة للعذاب. { وما هى } أى الحجارة { من الظالمين } ظالمى هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنهم فقال هم ظالموا أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، قيل لا يبعد أن يحصبوا كما حصب قوم لوط، وإن صح الحديث لم يجز العدول عنه، وقيل المراد بهم من كان خارجا من المدائن المذكورة، وقيل لضمير لتلك المدائن، فالظالمون كفار قريش. { ببعيد } لم يقل بعيدة، لأن فعيلا بمعنى فاعل يجوز تذكيره، ولو كان للمؤنث، أو للتأويل بالحجر، أو المكان، أو لأن المراد بشئ بعيد، والباء صلة للتأكيد، والمعنى ليست تلك الحجارة بعيدة من ظالمى أمتك، أو ليست بعيدة ممن خرج عن تلك المدائن من أهلها. روى أن رجلا دخل مكة وقعد أربعين يوما حتى قضى حاجته، فخرج من الحرم ووقع عليه حجر انتظاره بين السماء والأرض، وتقدم الكلام عليه، أو ليست تلك الحجارة حين إرادة إمطارها بعيدة، لأنها إذا أرسلت فهى أسرع شئ لحوقا، أو ليست تلك المدائن بعيدة من ظالمى مكة، بل يمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام، ويجوز أن تكون الباء ظرفية بمعنى فى، أى ما واقع تلك الحجارة فى مكان بعيد، أو ما تلك المدائن فى مكان بعيد من أهل مكة فى سفرهم ، وعن جابر بن عبيد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

Unknown page