1088

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

الخ لما رآهم لم يكتفوا بالكناية، وكان يدعو نفوسا نافرة تستعجل ما تحب. { فينظر كيف تعملون } أخيرا فيجازيكم بجزائه أو شرا فيجازيكم بجزائه كما يجازيهم على شرهم، والله عالم بما يعملون قبل أن يعملوه، لكن قال ذلك لأن قطع العذر والجزاء على العمل. روى أن عمرو بن عبيد دخل على المنصور قبل الخلافة، وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، فطلب زيادة له فلم توجد فقرأ عمرو الآية، ثم دخل عليه بعد الخلافة فذكر له المنصور ذلك، يريد أن الله قدر لى ما ترجيته لى من الاستخلاف، فقال عمرو قد بقى فينظر كيف تعملون يريد وعظه بأنك مجازى على العمل فلا تعمل إلا خيرا. وعن ابن عباس لما آمن السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بنى إسرائيل، وبقى كما قال مقاتل فى رواية النقاش بمصر بعد إيمان السحرة نحو عام يريهم الآيات، وقيل عشرين سنة.

[7.130]

قال الله سبحانه { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } بأعوام طوال لشدة الجدب فيها، حتى كان كل واحد منها سنة، فإن وقت الشدة ولو كان قصيرا لكنه ثقيل متطاول، أو أخذناهم بالجدب فسماها باسم وقتها، أو غلب العرب اسم السنة على عام الجدب لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به، وقد اشتقوا من لفظ السنة فقال أسنت بوزن أكرم، فهو مسنت وهم مسنتون، كما اشتقوا من أصله وقالوا أسنه وأسنى وسانه وسانى، والسنون جمع تكسير أعرب إعراب جمع السلامة. { ونقص من الثمرات } بإقلاها من أصلها وبإتلافها، قال ابن عباس وقتادة أما السنون فللبادية وأهل المواشى، قيل حتى هلكت، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، قال رجاء بن حيوة روى أن النخلة لا تحمل إلا تمرة واحدة، وقال كعب سيأتى على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة، والتمرات تعم غلة الشجر والنخل { لعلهم } ترج باعتبار البشر أو تعليل { يذكرون } ينتبهون أن ذلك لكفرهم ومعاصيهم فيؤمنون ويطيعون، أو لعلهم ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعون إلى الله، ويرغبوا فيما عنده، فإن الشدائد ترقق وتذلل، ولا سيما مع مشاهدة الآيات، وهم ازدادوا بها كفرا وغيا لشدة غباوتهم، وقسوة قلوبهم، وغفلتهم عما يراد بتلك الشدائد والآيات بحيث بلغوا من ذلك أن ينسبوا الحسنة لأنفسهم، والسيئة لموسى والمؤمنين، كما قال الله سبحانه { فإذا جاءتهم الحسنة... }.

[7.131]

{ فإذا جاءتهم الحسنة } من خصب وسعة ورزق، وعافية وسلامة من الآفات، وعرفت الحسنة، وجىء بأداة التخفيف وهى إذا لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه، وكونه الأصل بعد خلق من احتاج إليه فإيجاده تعلقت به الإرادة بالذات { قالوا لنا هذه } أى هى لأجلنا، ونحن لها أهل على العادة الجارية لنا فيها. { إن تصبهم سيئة } من جدب وقلة رزق وبلاء، ونكر السيئة وجىء بأداة الشك وهى إن لندور السيئة، وكون الأصل عدمها بعد خلق من لا يستقر معها، فإيجادها إنما هو تبع لأعمالهم جزاء عليها، ومنه قول بعضهم قد عددت أيام البلاء، فهلا عددت أيام الرخاء، يعنى قد قدرت على عد أيام البلاء، ولا تقدر على عد أيام الرخاء، فإنها أكثر من أن تعد، وقد تكون السيئة لتوفير الأجر ومحو الذنب، والحسنة استدراجا وابتلاء كما كانت لقوم فرعون قال الشاعر

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلى الله بعض القوم بالنعم

{ يطيروا بموسى ومن معه } يتشاءموا بهم ويقولوا هذه إصابتنا بشؤمهم، وقد قرأ مجاهد يتشاءموا، والأصل يتطيروا أبدلت التاء طاء وسكنت وأدغمت، وقرأ عيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف تطيروا بالياء وتخفيف الطاء على الأصل لكن بالماضى { ألا إنما طائرهم } أى سبب خيرهم وشرهم، وهو أعمالهم، وعن ابن عباس نصيبهم يعنى ما قضى لهم أو عليهم، وقيل سبب شؤمهم، وعن ابن عباس طائرهم شؤمهم، وذلك كله مأخوذ من زجر الطائر فيمشى يمينا أو شمالا، وكانت العرب وغيرهم يعتقدون أن خيرهم وشرهم بحسب ما فى الطائر، وقرأ الحسن طيرهم وهو اسم جمع لطائر كراكب وركب، وقال أبو الحسن الأخفش جمع تكسير. { عند الله } مكتوب عنده وهو أعمالهم، فإن كانت خيرا فهى سبب خيرهم، وإن كانت شرا فهى سبب شرهم وشؤمهم وهو الواقع، وما أصابهم من خير فاستدراج، أو سبب شرهم وشؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده، الموجب لما يسوءهم دنيا وأخرى، أو سبب خيرهم وشرهم بمشيئة الله، وهو الذى شاء ما يصيبهم من حسنة وسيئة، وليس يمن أحد أو شؤمه سببا فيه، أو الشؤم العظيم هو الذى لهم عند الله فى الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الكل من الخير والشر من عند الله، قل كل من عند الله، أو أن الشر من شؤم أعمالهم، وكانوا يضيفونها لأسباب، وعبر بالأكثر وأراد الجميع تجوزا، أو لأن بعضهم قد علم، أو لأن فيهم من آمن كمؤمن آل فرعون، وآسية امرأته رضى الله عنهما على القول بأنهما منهم، أو لأن من رأى كثرتهم يخالجه الشك أن فيهم من يعلم، فأتى بلفظ الأكثر نظرا إلى هذا الإمكان المخالج للبشر كالتحرر، أو المضارع للاستقبال لا للاستمرار، أى وأما القليل فسيعلم بأن يوفقه الله للإيمان، أو يلهمه ذلك، وأجيز أن يكون المعنى أكثرهم لا يمكن أن يعلم لإنعامه فى الكفر وبعده، والقليل بخلاف ذلك، قيل ويجوز أن يكون الضمير فى طائرهم لجميع الناس، فيجئ تخصيص الأكثر على ظاهره.

[7.132]

{ وقالوا مهما } لفظ بسيط، والأصل عدم التركيب، وألفه للتأنيث أو للإلحاق عند ابن هشام، ومعناه كمعنى ما الشرطية إلا أنها أقوى فى العموم، فهى اسم لغير العاقل غير ظرف، ويدل على اسميتها عود الضمير عليها، وخطأ جار الله من يقول مهما ظرف زمان بمعنى متى، وهو الحق، لكن الأحوط أن يقال تأتى بمعنى ما كما فى الآية، فإنها مبتدأ خبره جملة الشرط أو الجواب أو كلتاهما، أو مفعول على الاشتغال أى مهما تحضر تأتنا به على حد زيدا مررت به، وتأتى بمعنى متى كقوله

فإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

Unknown page