1087

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[7.127]

{ قال الملأ من قوم فرعون } لفرعون { أتذر موسى وقومه } بنى إسرائيل { ليفسدوا فى الأرض } اللام للصيرورة، أى أتذرهم فيصير أمرهم إلى الإفساد فيها، أو للتعليل إعظاما لتركه وترك قومه، كأنه قيل ليس فيهم إلا الإفساد، فإذا تركتهم فكأنك ما تركتهم إلا للإفساد، أو اللام زائدة، ومصدر الفعل بعدها بدل اشتمال، أو مفعول لحال محذوف أى مريدا إفسادهم، وهذا مرادف للتعليل، ويضعف جعل اللام بمعنى على أو إلى أو مع، لأن أن لا تضمر مع هذه الحروف، فكذا ما ناب عنها. { ويذرك } عطف على يفسد بأحد هذه المعانى، أو نصب على معنى مع كقوله

ألم أك جاركم ويكون بينى وبينكم المودة والإخاء

فانتصابه بأن مضمرة له على حدة، فهذه هى الواو التى يقال لها واو المعية التى مع الفعل وواو الجمع الحرفية، وواو الصرف، وقرأ ابن عامر، ونعيم بن ميسرة، والحسن فى رواية عنه بالرفع عطفا على تذر، أو للاستئناف أو للحالية بلا تقدير شىء على القول بجواز قرن الجملة الحالية المضارعية المثبتة بواو الحال، ومن لم يجز ذلك قدر مبتدأ أو قدر على الحالية، أى وهو يذرك، وقرأ الأشهب العقيلى بإسكان الراء تخفيفا من ضمها أو من فتحها، ولو كان الفتح خفيفا لكثرة توالى الحركات لا جزما بالعطف على المعنى المسمى فى غير القرآن عطف التوهم كما قيل، لأن ذلك إنما يصح هنا لو كان يفسدوا مقرونا بالفاء، فيكون منصوبا بعد فاء السببية فى جواب الاستفهام، فيقدر إسقاطها، فيكون العقل مجزوما فى جواب الاستفهام، فيعطف عليه بالجزم، وقرأ أنس ابن مالك ونذرك بالنون ورفع الفعل أو نصبه روايتان عنه، توعدا منهم أو إخبارا بأن الأمر يئول إلى هذا، بأن يصرفنا عنك فنذرك، وقرأ أبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود وقد تركوك أن يعبدوك، وقرأ الأعمش وقد تركك. { وآلهتك } جمع إله وهى كواكب كان يعبدها، وعن بعضهم أنه منكر لوجود الصانع، وقائل إن مدبر العالم السفلى هو الكواكب فاتخذ أصناما على صور الكواكب يعبدها ويأمر بعبادتها تقربا إليه، وقائل فى نفسه إنه المطاع المخدوم فى الأرض، ولذا قال أنا ربكم الأعلى، ويقول أنا ربكم ورب هذه الأصنام، وقيل آلهته البقر، وكان يعبد بقرة له، ويأمرهم بعبادة كل بقرة حسنة، ولذلك جعل السامرى ربه عجلا، وتنسب كل بقرة عبدت بأنها آلهة من حيث إنها كانت إلها بأمره. وعن الحسن وغيره شرع لهم عبادة الأوثان من بقر وأحجار وغيرها، وقيل كان يعبد حجرا يعلقه فى صدره كياقوتة، وعن الحسن كان لفرعون حنانة معلقة فى نحره يعبدها ويسجد لها، وقيل كان يعبد الشمس ولهم آلهة كالكواكب أو البقر وغيرها، فصح الجمع، وقد قرأ ابن عباس، وعلى، وابن مسعود، وأنس، والشعبى، والضحاك، وإلاهتك بكسر الهمزة وهى الشمس أو العبادة، أى يترك عبادتك ويعبد سواك، وهو المروى عن هذه الجماعة.

قال ابن عباس كان يعبد ولا يعبد، قال سعيد بن جبير، ومحمد بن المكندر عاش ستمائة سنة وعشرين، لم ير مكروها قط، ولو حصل له جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية، وملك من ذلك أربعمائة سنة، وروى أنهم قالوا ذلك لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف إنسان، وأن هذه الموافقة على الإيمان هى الإفساد، وخافوا أن يغلبوا على الملك. { قال } فرعون { سنقتل أبناءهم } لئلا يتقوى بهم موسى ومن معه، ولئلا يتوهم الناس أن موسى هو الذى أخبر المنجمون أنه يخرب ملكنا فيتبعوه ، وأما القتل الذى قبل ولادة موسى فليوافق من يخرب ملكه وتركه بعد ولادته، وقرأ غير نافع وابن كثير سنقتل بالتشديد للمبالغة { ونستحى نساءهم } للخدمة ولما نريد، أى يبقيهن أحياء، ولم يقدر أن يصل موسى بشىء لقوته بالمعجزة { وإنا فوقهم قاهرون } كما كنا قبل، فأبشروا بدوام دينكم، وبقاء ملككم، وشرع فى استعمال بنى إسرائيل بما لا طاقة لهم به مع وعده بقتل أبنائهم، وجزعوا وضجروا وشكوا إلى موسى.

[7.128]

{ قال موسى لقومه } يسليهم ويعدهم النصر { استعينوا بالله } على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء { واصبروا إن الأرض } أرض مصر، فأل للعهد الحضورى، أو الأرض مطلقا، فأل للجنس، وعلى كل حال فهى أرض الدنيا، وهو الأظهر، وقيل أرض الجنة { لله يورثها } من أورث، أى بالهمزة لاثنين، الأول من والثانى ها، وفى رواية عن حفص، عن عاصم يورث بالتشديد للتعدية لا للمبالغة كما قيل، إلا إن قيل إن فيه تلويحا إليها من حيث إنه يجىء فى الجملة لها وهو قراءة الحسن، وفى يورث على القراءتين ضمير الله سبحانة، وقراءة فرقة ورثها بفتح الراء والتخفيف، فمن نائب الفاعل وهاء مفعول به. { من يشاء من عباده } إسرائيليا أو قبطيا، وجملة يورث مستأنفة أو خبر ثان { والعاقبة } الظفر والنصر، وقرأ ابن مسعود بالنصب عطفا على اسم إن، وعليه فقوله { للمتقين } معطوف على معمولى عامل، كأنه قيل وإن العاقبة للمتقين، وقيل العاقبة الجنة، وذلك كله وعد من موسى جاءه من الله أنه سيملك بنو إسرائيل أرض مصر، ويكون الظفر لهم، وقيل طمع، وشمل المتقين كل متق إسرائيلى أو قبطى، وقد ملكوا مصر بعد هلاك فرعون، واستخلفوا فى مصر فى زمان داود وسليمان، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع.

[7.129]

{ قالوا أوذينا } ضررنا بالأعمال الشاقة والهوان، والجزية وقتل الأبناء { من قبل أن تأتينا } بالرسالة { ومن بعد ما جئتنا } بها، وذلك منهم شكوى بعموم الإيذاء وعدم انقطاعه، لا كراهة للرسالة، فإن كراهتها كفر أو استبطاء للوعد، فإن موسى وعدهم النصر فظنوه عاجلا، فلما رأوا أن الشدة زادت، وكان يستعملهم إلى نصف النهار بأعمال شاقة، وبعد مجيئه بالرسالة وأمر العصا، أعاد على أبنائهم القتل، واستعملهم النهار كله، وكلفهم عمل الطوب بلا تبن ليشق، قالوا ذلك. وبعد فإن بنى إسرائيل مضطربون على أنبيائهم قليلو الصبر واليقين، فلا بعد فى كراهتهم الرسالة لازدياد العذاب بها، وليس كل بنى إسرائيل مؤمنين، وقال السدى، وابن عباس فى رواية عنه، قالوا ذلك حين اضطرهم فرعون إلى بحر الفلزم، فهو أمامهم وفرعون خلفهم. { قال عسى } ترجية وإطماع من مجرد نفسه، أو بوحى من الله كما قال الحسن عسى من الله واجبة، أو عبر بعسى لأنه لم يدر أنهم المستضعفون أم أولادهم { ربكم أن يهلك عدوكم } فرعون أو فرعون وقومه، فإن العدو يطلق على الواحد والجماعة، وهلاكه هلاك لهم { ويستخلفكم فى الأرض } هذا تصريح لهم بما كنا عنه بقوله

استعينوا بالله واصبروا إن الأرض

Unknown page