ويعود في بداية شهر يونيو إلى وطنه في نورتنجن. ثم يمضي الصيف والخريف في صحبة أصدقائه في مدينة شتوتجارت. ولا ندري متى ولا كيف ترك بيت «لانداور» ولكن المهم أنه خرج منه وهو صديقه الحميم. وربما كان السبب في تركه هو إخفاقه المستمر في مهنة التعليم التي لم يخلق لها ولم تتفق في يوم من الأيام مع إحساسه بالكبرياء، وربما كان المسئول عن ذلك أيضا هو قلقه المستمر ورغبته الملحة في الوحدة والتجوال.
برج هلدرلين والبيت الذي عاش فيه بمدينة توبنجن على نهر النيكر.
وغادر وطنه من جديد بحثا عن لقمة العيش .. وذهب في شهر يناير سنة 1801م إلى مدينة هاوبتفيل (في سويسرا) ليلتحق بعمله عند عائلة «فون جونزنباخ» ويقضي ثلاثة أشهر في كنفها قبل أن يتأكد مرة أخرى من إخفاقه. وكان رب هذه الأسرة - كما يقول شاعرنا نفسه - رجلا مهيبا يبدو عليه أنه جرب كثيرا في حياته، وإن لم يمنعه هذا من الاحتفاظ ببراءته وبساطته. أما زوجته فكانت امرأة عملية نشيطة تعيش وتفكر كما يعيش التجار ويفكرون! وعلى الجملة فقد كان الرجل وزوجه كما يقول الشاعر أيضا في عبارة لا تخلو من الحدة والسخرية: «من أولئك المستقيمين الذين يشاركون الغرباء بالقدر الذي لا يضعف قلوبهم ...»
تبين للشاعر كما قلت أنه أخفق في مهمته التربوية، فعاد إلى أهله في «نورتنجن» مع بداية شهر أبريل سنة 1801م. وقضى بقية السنة في وطنه الصغير، عاكفا على كتابة أنضج أشعاره، ومن بينها المرثيات والأناشيد الكبرى. وحاول في أثناء ذلك بعض المحاولات التي باءت بالفشل. فقد دخل في روعه على ما يبدو أنه يستطيع أن يلقي محاضرات في الفلسفة أو الأدب في جامعة «يينا». وسعى إلى ذلك لدى المسئولين فأغلقوا الباب في وجهه! ولا شك أنهم أدوا له وللشعر نفسه خدمة لا يمكن أن تنسى. فقد استطاع في هذه المرحلة أن يجد نفسه ويبلغ قمة نضجه وعبقريته.
ولا شك أن الفيض الذي تدفق منه في هذه السنوات القليلة التي سبقت انحداره إلى هاوية الجنون (سنة 1806م) سيظل لغزا من ألغاز الخلق الفني، وأن قصائده الطويلة التي كتبها ستبقى من أجمل وأنقى ما تعتز به مملكة الشعر.
كان قد وجد نفسه واطمأن إليها وظهر أثر ذلك في قصيدته التي أشرنا إليها في الفصل السابق عن نواح مينون على ديوتيما. ويبدو أنه ازداد بعد ذلك عكوفا عليها وثقة بطاقاتها ورغبة في التعبير عنها. تدل على هذا سطور قليلة كتبها إلى صديقه «لانداور» في شهر فبراير سنة 1801م يقول فيها: «كلما زادت ثقة الإنسان في نفسه وتركيزه على حياته الفضلى، وكلما سهل عليه الخروج من أجواء مشاعره الجانبية والعودة إلى التحليق في جوه الأصيل، ازدادت عينه قدرة على الرؤية الواضحة الشاملة واستطاع أن يهب قلبه لكل سهل وعسير وعظيم ومحبب إليه في هذا العالم ...»
وهذه السطور القليلة تكشف عن «المعرفة» التي اطمأن إليها الشاعر في هذه المرحلة من حياته. فالحياة عنده «مدرسة» يتربى فيها ويتعلم منها وينمي مواهبه بالتأمل فيها والإخلاص لها والإقبال على خير ما فيها. أما العالم - وهو الكلمة التي تختم بها السطور السابقة - فهو الإمكانية الشاملة التي لا تحد ولا تنتهي، وهو منبع كل عظيم وحبيب إلى القلب. وأما الفعل الذي يحقق به نفسه ويستجيب لإرادة الخلق في طبيعته فهو توجيه انفعالاته ومشاعره من التشتت إلى التركيز، ومن العرضي إلى الثابت، ومن الظواهر المتعددة إلى الحقيقة الباقية. أبدا لن يتوصل إلى هذه الحقيقة - وهي في نهاية الأمر حقيقته هو - بالعقل والتفكير المجرد ولا بقسر عواطفه والضغط عليها، بل بالتحليق بجناحيه في «جوه» الأصيل، والاستجابة لصوته الباطن، وتلبية نداء الخلق، وهو في نهاية الأمر أيضا نداء القلب. وهذا النداء الآتي من الأعماق له رنين اللحن ووقع الغناء، وهو شيء لا يسمعه الإنسان ولا يستجيب له إلا إذا كان قادرا بفطرته على الانفعال باللحن والغناء .. أعني أن الخلق في ذاته عمل موسيقي يصدر عن طبيعة موسيقية. وربما كانت قصيدة «بلاد اليونان» التي صاغها في هذه المرحلة ثلاث مرات هي خير ما يعبر عن الجو النفسي الذي عاش فيه الشاعر في هذه الفترة التي لم تستمر، للأسف، طويلا. فهي تصور في صيغها الثلاث ما حاولت السطور السابقة أن تصوره فخانها التوفيق إلى حد كبير - وهو في الغالب يخون الناثر! - وتعبر عن الاطمئنان والثقة والراحة التي أحس بها هلدرلين وهو يرى أنضج قصائد عمره تفيض منه كما يفيض الماء من النبع. وليس أدل على هذا من أن القصيدة تعبر عن هذه الحالة مرة بالثقة والاطمئنان وأخرى بالفرح والسرور، كما ترسم لنا صورة الإنسان الوحيد الذي يسبح في جو الموسيقى والأساطير، بعد أن استقر على قمة طاقاته الفنية، وجمع شتات نفسه، ووجد الأمان في التجمع والتركيز، ولمس النغمة الخاصة به وحده. ومن فوق هذه القمة ترى العين رؤية مشرقة، ويتكشف أمامها العالم الواسع الممتد، وينفتح القلب لتجربة هذا العالم الرحيب. ولا شك أنه لم يصل إلى هذا الاطمئنان أو هذه السعادة بمحض الصدفة، بل جاهد في سبيلها وعانى من أجلها وتعب حتى ارتقى إليها. ولذلك فإن خير ما يوصف به هذا الشعور المطمئن السعيد هو الحرية. الحرية بأدق معانيها وأنبلها. الحرية التي يشقى الإنسان في السعي إليها ويغامر من أجلها ويقتحمها ويغزوها ... فهكذا تتطلب كل حرية حقيقية، لأنها لا تسقط أبدا في حجر الضعيف العاجز المتواكل. لنقرأ معا بعض أبيات «بلاد اليونان» في صيغتها الثالثة والأخيرة:
آه يا أصوات القدر، أنت يا دروب المتجول (الوحيد)
لأنه في زرقة المدرسة،
2
صفحة غير معروفة