في شبابي الحلو؛
فليس الرائي وحده
بل كذلك العابدون
يخضعون معه لقدر واحد.
وهكذا يسمي نفسه «العبد» في قصيدة «باطموس» التي تعد من أجمل ما قاله في شعره الأخير الذي بلغ ذروة نضجه وكماله.
وتنقسم هذه المرحلة الأخيرة من حياة هلدرلين إلى قسمين؛ قضى أحدهما بين سنتي 1800م و1801م في شتوتجارت وهاوبتفيل ونورتنجن، وقضى الآخر بين سنتي 1802م و1806م في مدينة بوردو الفرنسية وفي مدينتي نورتنجن وهومبورج.
ودع حبيبته «ديوتيما» الوداع الأخير وذهب إلى بلدته نورتنجن. ولم يكد يقيم فيها عشرة أيام حتى اضطرته لقمة العيش إلى الرحيل. فهو مدرس خصوصي يتسول من أسرة إلى أسرة، وقدره البائس يدفعه للبحث عن بيت جديد يعمل فيه. ودخل هذه المرة بيت تاجر القماش «كرستيان لانداور» في مدينة شتوتجارت، وكان بيتا جميلا وجد فيه «الحب والوفرة والهدوء». ولم تمض أيام على وجوده فيه حتى أحس الراحة بعد طول السير على «درب ضيق»، وأكبر صاحبه الكريم المغرم بالأدب والفن، وفتح له قلبه حتى صار عنده «صديق الأصدقاء». وكان من حسن حظه أن يجد رب البيت من هواة الموسيقى والغناء، وأن تتاح له ساعات ذهبية يقضيها وسط الأنغام. كان كل هذا يدفعه إلى الإحساس العميق بالشكر والعرفان، كما يدفعه إلى المقارنة بين هذه الحياة التي يحياها في بيت غريب وبين حياته القلقة التي ختمت عليها الأقدار بالحرمان: ها هو ذا يعبر عن هذا حين يخاطب مضيفه بقوله:
تختلف حظوظ الناس من العيش
كما يختلف النور عن الظلمة،
أما أنت فتسكن في الوسط الذهبي.
صفحة غير معروفة