1566

قال أبو مخنف وحدثني فضيل ين خديج قال لقد رأيت عبيد الله بن الحر وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار يقاتلهم في جبانة الصائديين ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهي إلى دار عكرمة ثم يكر راجعا هو خيله فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائديين ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقائين فيضربون وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ولا نكاية لهم وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر واجترأ عليهم الناس فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء قد التحفت عليه فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه فقال له المهلب وكان مجربا اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة وكان ربما تقدم حتى ينتهي إلى مسجد بني مخزوم وحتى يرمي أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر وكان لا يلقى امرأة قريبا من القصر إلا قال لها من أنت ومن أين جئت وما تريدين فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر فبعث بهن إلى مصعب وإن الطعام لمعهن فردهن مصعب ولم يعرض لهن وبعث زحر بن قيس فنزل عند الحدادين حين تكرى الدواب وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال وبعث محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند زقاق البصريين عند فم سكة بني جذيمة بن مالك من بني أسد بن خزيمة وجاء المهلب يسير حتى نزل جهار سوج خنيس وجاء عبدالرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة أغمار ليس لهم علم بالحرب فأخذوا يصيحون وليس لهم أمير يابن دومة يابن دومة فأشرف عليهم المختار فقال أما والله لو أن الذي يعيرني بدومة كان من القريتين عظيما ما عيرني بها وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم فطمع فيهم فقال لطائفة من أصحابه اخرجوا معي فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل فكر عليهم فشدخ نحوا من مائة وهزمهم فركب بعضهم بعضا وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلي ثم إن رجلا من بني ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم كانت رجلاه تكادان تخطان الأرض إذا ركب من طوله وكان أقتل شيء للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبت له رجل صمد صمده وبصر به المختار فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه وخر ميتا ثم إن تلك الأمراء وتلك الرؤوس أقبلوا من كال جانب فلم تكن لأصحابه بهم طاقة فدخلوا القصر فكانوا فيهم فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار ويحكم إن الحصار لا يزيك إلا ضعفا انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا والله ما أنا بآيس إن صدقتموه أن ينصركم الله فضعفوا وعجزوا فقال لهم المختار أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي ولما رأى عبدالله بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل فلحق بأناس من إخوانه فاختبأ عندهم ثم ان المختار أزمع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف ورأى ما بأصحابه من الفشل فأرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاري فأرسلت إليه بطيب كثير فاغتسل وتحنط ثم وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته ثم خرج في تسعة عشر رجلا فيهم السائب بن مالك الأشعري وكان خليفته على الكوفة إذا خرج إلى المدائن وكانت تحته عمرة بنت أبي موسى الأشعري فولدت له غلاما فسماه محمدا فكان مع أبيه في القصر فلما قتل أبوه وأخذ من في القصر وجد صبيا فترك ولما خرج المختار من القصر قال للسائب ماذا ترى قال الرأي لك فماذا ترى قال أنا أرى أم الله يرى قال الله يرى قال ويحك أحمق أنت إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى علىالحجاز ورأيت نجدة انتزى على اليمامة ومروان على الشام فلم أكن دون أحد من رجال العرب فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم إلا أني قد طلبت بثأر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذ نامت عنه العرب فقتلت من شرك في دمائهم وبالغت في ذلك إلى يومي هذا فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نية فقال إنا لله وإنا إليه راجعون وما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي فقال المختار عند ذلك يتمثل بقول غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي ... ولو يراني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الهموم بأمر ماله طبق ... لقال رهبا ورعبا يجمعان معا ... غنم الحياة وهول النفس والشفق ... إما تسف على مجد ومكرمة ... إو إسوة لك فيمن تهلك الورق ...

Page 491