Tahāfut al-Tahāfut
تهافت التهافت
[2] المقام الاول ان يدعى الخصم ان فاعل الاحتراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار فلا يمكنه الكف عما هو فى طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل له وهذا مما ننكره بل نقول فاعل الاحتراق بخلق السواد فى القطن والتفرق فى اجزائه وجعله حراقا ورمادا هو الله تعالى اما بواسطة الملائكة أو بغير واسطة فاما النار فهى جماد لا فعل لها . فما الدليل على انها الفاعل وليس لهم دليل الا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار والمشاهدة تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به وانه لا علة سواه اذ لا خلاف فى ان ائتلاف الروح بالقوى المدركة والمحركة فى نطف الحيوانات ليس يتولد عن الطبائع المحصورة فى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا ان الاب فاعل الجنين بايقاع النطفة فى الرحم ولا هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعانى التى فيه ومعلوم انها موجودة عنده ولم يقل احد انها موجودة به بل وجودها من جهة الاول اما بغير واسطة واما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الامور الحادثة وهذا مما تقطع به الفلاسفة القائلون بالصانع والكلام معهم فقد تبين ان الوجود عند الشىء لا يدل انه موجود به . بل نبين هذا بمثال وهو ان الاكمه لو كان فى عينيه غشاوة ولم يسمع من الناس الفرق بين الليل والنهار لو انكشفت الغشاوة عن عينيه نهارا وفتح اجفانه فرأى الالوان ظن ان الادراك الحاصل فى عينيه لصور الالوان فاعلة فتح البصر وأنه مهما كان بصره سليما ومفتوحا والحجاب مرتفعا والشخص المقابل متلونا فيلزم لا محالة ان يبصر ولا يعقل الا يبصر حتى اذا غربت الشمس واظلم الهواء علم ان نور الشمس هو السبب فى انطباع الالوان فى بصره فمن أين يامن الخصم ان يكون فى المبادى للوجود علل واسباب تفيض منها هذه الحوادث عند حصول ملاقاة بينها الا انها ثابتة ليس تنعدم ولا هى اجسام متحركة فتغيب ولو انعدمت او غابت لادركنا التفرقة وفهمنا ان ثم سببا وراء ما شاهدناه وهذا ما لا مخرج عنه على قياس اصلهم . ولهذا اتفق محققوهم على ان هذه الاعراض والحوادث التى تحصل عند وقوع الملاقاة بين الاجسام وعلى الجملة عند اختلاف نسبها انما تفيض من عند واهب ا لصور وهو ملك أو ملائكة حتى قالوا انطباع صورة الالوان فى العين يحصل من جهة واهب الصور وانما طلوع الشمس والحدقة السليمة والجسم المتلون معدات ومهيئات لقبول المحل هذه الصورة وطردوا هذا فى كل حادث وهذا يبطل دعوى من يدعى ان النار هى الفاعلة للاحتراق والخبز هو الفاعل للشبع والدواء هو الفاعل للصحة الى غير ذلك من الاسباب
Page 519