Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[9.58]
{ ومنهم من يلمزك } يعيبك { في الصدقات } فى قسمتها وجمعها وحفظها للايصال الى مستحقها { فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } لاتباعهم لك فى الاغراض الفاسدة والاعراض الكاسدة لا لامر الدين والآخرة، وقد ذكر شأن نزولها فى الاخبار وانها نزلت حين لمز الاغنياء رسول الله (ص) فى تقسيم الصدقات على الفقراء، وورد ان اهل هذه الآية اكثر من ثلثى الناس، والتحقيق ان كل من غلب حبه للدنيا على حبه للآخرة فهو من اهل هذه الآية واغلب الناس ليس لهم حب للآخرة وأغلب من كان له حب الآخرة حبه للدنيا غالب على حبه للآخرة.
[9.59]
{ ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله } من الغنى والفقر والاولاد والعقم والعزة والذلة والصحة والسقم والامن والخوف وغير ذلك مما ليس بيد العبد، او المراد ما آتاهم الله من الصدقات والغنائم على يد رسوله (ص) فان الكلام فيها فيكون ذكر الله اشارة الى ان اعطاء محمد (ص) اعطاء الله وانه لا يفعل من عند نفسه وهو تعظيم لشأنه (ص) { ورسوله } من الغنائم والصدقات فان الرضا بقضاء الله اذا قضى ما لا يلائم يهون امره واذا قضى ما يلائم يورث الشكر ويجلب المزيد، والرضا بما أعطاه الرسول (ص) قليلا كان او كثيرا يورث المحبة له والتوجه اليه والاتباع له وفى الكل خير الدنيا والآخرة وعدم الرضا يورث اضدادها { وقالوا حسبنا الله } منقطعين من الكل اليه متوكلين عليه راجين من فضله { سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون } فى موضع التعليل.
[9.60]
{ إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } المسكين كما مضى اسوء حالا من الفقير وهما اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا، والفقر من لايقدر بالفعل او بالقوة على قوت سنته { والعاملين عليها } اجرة لعملهم { والمؤلفة قلوبهم } فانهم معدون لحفظ ثغور المسلمين او مستمالون لاستماع آيات القرآن واحكام المسلمين حتى يعرفوا ان محمدا (ص) رسول الله { وفي الرقاب } العبيد تحت الشدة او المكاتب العاجز عن اداء مال الكتابة او ما يلزم المسلمين من الكفارات ولم يقدروا على ادائها { والغارمين } الذين لم يستدينوا فى ما لم يأذن به الله { وفي سبيل الله } الجهاد او هو والحج او كل سبيل خير { وابن السبيل } المسافر فى سفر مباح لا يقدر بالفعل ولا بالقوة ولو بالاستدانة على مؤنة سفره الى وطنه { فريضة من الله } فرض الله فريضة { والله عليم } بموارد الصدقات { حكيم } فى تسنينها وتخصيص مواردها.
[9.61]
{ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } يقبل كل ما يسمع من اى قائل اتفق { قل } هو { أذن خير لكم } يسمع كل ما فيه صلاحكم وان لم تعلموا ان فيه صلاحكم { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } اما مقول قوله (ص) او مستأنف من الله والمقصود بيان حاله او تعليل كونه اذن خير، اعلم، ان للسالك الى الله ايمانا بالله فى مقام الوحدة والتوجه اليه عن الكثرة وفى هذا الايمان لا توجه له الى الكثرة لا بخير ولا بشر، وايمانا فى مقام الكثرة والتوجه اليها بالله وفى هذا المقام له نحو تصرف فى الكثرة اما بخير اذا كان المتوجه اليه ممن يقبل التصرف بالخير كجملة اجزاء العالم سوى الاشقياء من بنى آدم، واما بشر اذا كان المتوجه اليه ممن يصير الخير فى وجوده شرا، لان الشر ليس من المتصرف فى الكثرة بالذات بل تصرفه يصير بواسطة القابل شرا، فقوله يؤمن بالله اشارة الى الايمان الاول وقوله يؤمن للمؤمنين اشارة الى الايمان الثانى، والمعنى يؤمن بالله فى مقام الكثرة يعنى يصدق الكل فان كلا فى مقامه مسخر لله ومظهر له وما يظهر منه فى الحقيقة ظهور فعل الله لكنه بحسب المظاهر يصير فى بعض شرا وفى بعض خيرا ولا ينتفع بهذا الايمان من محمد (ص) الا المؤمنون، لانه كان بحسب هذا الايمان نافعا للكل لكن يصير ذلك النفع فى بعض القوابل ضرا وشرا، وبما ذكر يظهر صحة الاخبار ووجه الجمع بينها والى ما ذكر اشار بقوله { ورحمة } عطفا على اذن خير وما بينهما اعتراض { للذين آمنوا منكم } بالايمان العام او الخاص وكان ارادة الايمان الخاص انسب بالمقام، لانه اشير الى مطلق الانتفاع الذى هو عام لجملة المسلمين الذين بايعوه بالبيعة العامة بقوله اذن خير لكم وبقوله يؤمن للمؤمنين، ولان الخطاب كان لعامة المسلمين والمؤمن منهم لا يكون الا مؤمنا خاصا، ولان خصوص الرحمة الرحيمية بقرينة ذكرها بعد الانتفاع المطلق الذى هو مطلق الرحمة الرحيمية مختص بالمبتاعين بالبيعة الخاصة الولوية التى هى الايمان حقيقة وكان الانسب بالمقابلة ان يقول تعالى وسخط للذين لم يؤمنوا واوذوا رسول الله (ص) لكنه عدل الى قوله { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } جملة معطوفة على الجملة السابقة تبرئة له (ص) من نسبة السوء والعذاب اليه لما عرفت ان ليس منه الا الرحمة والنفع لكنها بحسب القابل تصير ضرا وشرا.
[9.62-65]
{ يحلفون بالله لكم } اى المؤذون يعنى اذا قال المؤمنون للمنافقين المؤذين لم تؤذون رسول الله (ص) وتلمزونه وتنمون عليه يحلفون بالله لهم وهو استيناف لبيان حالهم، وانهم بعد ايذائهم يعتذرون بالمعاذير الكاذبة ويحلفون على كذبهم ومقصودهم ارضاؤكم لا ارضاء الله ورسوله، فهم ينافقون بعد الايذاء حيث يظهرون ما فى قلوبهم مطوية على خلافه ويكذبون ويحلفون على الكذب وينصرفون عن الله ورسوله (ص) فهم فى هذا الاعتذار واقعون فى رذائل اربع كل منها بوحدتها مهلكة { ليرضوكم } لعدم ايمانهم بالله ورسوله (ص) بل لمحض المماشاة معكم { والله ورسوله أحق أن يرضوه } توحيد الضمير باعتبار بان رضى الله لا يظهر ولا يتيسر الوصول اليه الا برضى الرسول { إن كانوا مؤمنين } يعنى ان الايمان يقتضى ارضاء الله ورسوله (ص) وان كان بسخط جميع الخلق { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } من يخاصم الله ورسوله (ص) { فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } نزلت فى المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك حين تحدثوا ان محمدا (ص) يزعم ان حرب الروم كحرب غيرهم لا يرجع منهم احد وقال بعضهم استهزاء: نحذر ان يخبر الله بذلك، وورد انها نزلت فى اصحاب العقبة كمنواله فى العقبة ليقتلوه وقالوا: ان فطن بنا قلنا انما كنا نخوض ونلعب وان لم يتفطن قتلناه وقصته مذكورة فى المفصلات.
Unknown page