380

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[9.66]

{ لا تعتذروا } بالاعذار الكاذبة استيناف من الله ردعا لهم { قد كفرتم } صرتم كافرين { بعد إيمانكم } بالتوبة على يد محمد (ص) والبيعة معه بالبيعة العامة { إن نعف عن طآئفة منكم } بعد توبتها { نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين } لعدم توبتهم او لانجرار كفرهم الملى الى الكفر الفطرى الذى لا يقبل التوبة معه وعلى قراءة يعف ويعذب بالغيبة يحتمل ان يكون من جملة قول الرسول (ص).

[9.67]

{ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ليسوا منكم كما ادعوا والجملة خبر عن المنافقون او حال عن المنافقون والمنافقات او معترضة { يأمرون بالمنكر } قالا وحالا وجودا فى عالمهم الصغير والعالم الكبير لانهم متصورون بصور المنكرات وكل يعمل على شاكلته فكل امرء متصور بصورة المنكر يأمر على وفق صورته بالمنكر ولم يكن له شأن سوى الامر بالمنكر لكون شاكلته المنكر وان كان صورة امره امرا بالمعروف ولذلك أتى بالمضارع الدال على الاستمرار التجددى { وينهون عن المعروف } لانهم ينأون عنه والنائى عن الشيء الغير المتصور به ينهى عنه لا محالة { ويقبضون أيديهم } الظاهرة عن الانفاق ابتغاء رضى الله حرصا بالمال غير معتقد بالاجر والعوض من الله وعن البيعة مع النبى (ص) والولى (ع) وايديهم الباطنة عن التوسل بذيل النبوة والولاية، وعن التبتل الى الله والتضرع عنده، وعن الامتداد الى الخيرات الكثيرة الروحانية، وعن انفاق اموالهم الباطنة التى هى القوى البدنية والاخلاق النفسية الرذيلة التى فى انفاقها الوعد بالمائة الى سبعمائة والله يضاعف لمن يشاء { نسوا الله } جواب لسؤال ناش عن ذكر اوصافهم الذميمة التى تقتضى السؤال عن علتها او عن وصف آخر ذميم لهم فهو فى مضوع التعليل او بيان حال آخر ذميم لهم والنسيان هو الغفلة عن المعلوم بحيث يزول عن خزانته ويحتاج الى مشاهدة جديدة ان كان من المشاهدات، او كسب جديد ان كان من الكسبيات بخلاف السهو، فانه الغفلة عنه بحيث لا يزول عن الخزانة ولا يحتاج الى سبب جديد بل يستحضر بأدنى تأمل فالفرق بينهما بالشدة والضعف، ولما كان معرفة الله فطرية لكل احد بل لكل موجود والانسان بمجاهداته ورياضاته او بافكاره وانظاره يستكشف ذلك المعلوم الفطرى وبتدنساته ومعاصيه يستر ذلك المعلوم الفطرى استعمل النسيان ومن باب المشاكلة قال تعالى { فنسيهم } مجازا اى تركهم وأسقطهم عن نظره وافاضة رحمته { إن المنافقين هم الفاسقون } تعليل او بيان ذم آخر ووضع المظهر موضع المضمر للتكرار المطلوب فى مقام السخط ولذا غلظ عليهم بالتأكيدات الاربعة؛ ان واسمية الجملة وضمير الفصل وتعريف المسند، وللتفظيع وللاشارة الى علة الحكم واسقط المنافقات تغليبا ولعدم المبالاة بهن.

[9.68]

{ وعد الله المنافقين والمنافقات } وضع الظاهر موضع المضمر لما مر والتصريح بالمنافقات لدفع توهم عدم كونهن محكوما عليهن بما ذكر ولمطلوبية التطويل فى مقام التغليظ ولذلك بسط فى الاخبار عن حالهم { والكفار } عطف للعام على الخاص ان جعل الكفر اعم من النفاق والا عطف للمغاير على المغاير { نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم } عذابا وايلاما { ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم } تالله لقد شدد عليهم بذكر اوصاف سبعة؛ وعد النار واضافتها الى جهنم والخلود فيها وكفايتها لهم يعنى لا يتصور فوقها عقوبة ولعنهم واختصاصهم بالعذاب واتصاف العذاب بالدوام.

[9.69]

{ كالذين من قبلكم } حال من واحدة من الجمل السابقة او متعلق بواحد من الافعال السابقة او مستأنف خبر مبتدء محذوف اى انتم مثل الذين من قبلكم فى نفاقهم واستمتاعهم وحبط اعمالهم وخسرانهم فهو التفات من الغيبة الى الخطاب وتفظيع آخر لهم بتشبيههم بمن هو مثل عندهم فى الفظاعة، والتعنت تنشيطا للسامعين الى الاستماع { كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا } استيناف او حال من الموصول او من المستتر فى الظرف والمقصود بيان قوة اسباب الخوض فى الشهوات فيهم ليكون غاية تفظيع لهم فان الخوض فى الشهوات من الفقير اقبح فاذا كانوا مع ضعفهم فى اسباب الخوض فى الشهوات مثل السابقين الذين كانوا اقوى منهم فى اسباب الخوض فى الشهوات كانوا اقبح منهم { فاستمتعوا بخلاقهم } نصيبهم من الشهوات { فاستمتعتم بخلاقكم } مثلهم مع انكم كنتم أضعف منهم وأقل مالا واولادا، ولما لم يعلم من السابق ان اللاحقين استمتعوا مثل السابقين صريحا وكان التطويل مناسبا قال { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم } فى الشهوات والملاهى { كالذي خاضوا } كالخوض الذى خاضوا او كالذين خاضوا بجعل الذى بمعنى الذين لارادة الجنس منه { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } اشارة الى السابقين وتعريض باللاحقين بانهم اولى منهم بحبط الاعمال لضعفهم فى اسباب الشهوات وخوضهم مع ذلك فيها مثلهم، او اشارة الى السابقين واللاحقين بصرف الخطاب الى محمد (ص)، او اشارة الى اللاحقين لان الكلام فيهم والاتيان باسم الاشارة البعيدة لتأكيد الحكم وتصويرهم باوصافهم الفظيعة وتبعيدهم عن مرتبة التخاطب كما ان تكراره فى قوله { وأولئك هم الخاسرون } والاتيان بضمير الفصل وتعريف المسند كان لذلك وللحصر.

[9.70]

{ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم } استفهام انكارى لتقريعهم على اشتغالهم بالملاهى مع وصول خبر السابقين اليهم { قوم نوح } أغرقوا بالطوفان { وعاد } قوم هود (ع) اقتصر على اسمهم اختصارا اهلكوا بالريح { وثمود } قوم صالح (ع) { وقوم إبراهيم } ولما لم يكن لهم اسم خاص قال قوم ابراهيم (ع) اهلكوا بالبعوضة { وأصحاب مدين } قوم شعيب (ع) اهلكوا بالنار { والمؤتفكات } اهل المؤتفكات وهم قوم لوط سميت قراهم بالمؤتفكات اى المنقلبات لانقلابها بهم بجعل عاليها سافلها كذا فى الخبر عن الصادق (ع) { أتتهم } اى المذكورين كلهم { رسلهم بالبينات } بالاحكام الواضحات من احكام الرسالة او بالمعجزات { فما كان الله ليظلمهم } بالاهلاك بما ذكر لاتمامه الحجة عليهم بالرسل والبينات وتخلل كان مع لام الجحود للمبالغة فى نفى الظلم عنه تعالى وقد مضى انه لنفى المبالغة فى الظلم وهو اعم من المبالغة فى نفى الظلم لكنه فى العرف يستعمل فى المبالغة فى نفى الظلم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لانهم بانصرافهم بعد وضوح الحجة وتكذيبهم عرضوها للعقاب الدائم وتقديم المفعول للحصر لتوهم انهم بتكذيبهم ظلموا الانبياء (ع) وتخلل كان للاشارة الى استمرار الظلم بحيث كأنه صار طبيعة لهم.

Unknown page