Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
وغيرهم - أصحاب الأفكار والأنظار والفكر - لا ينسرح إلا فيما يستفاد من أحكام الأجسام وأحوالها، ومباديها ولواحقها، وأما فيما وراء المحسوسات، وعجائب الملكوت، وأحوال الآخرة، وغايات النفوس ودرجاتها يوم القيامة، فليس للفكر فيها كثير جولان، ولا بد في إدراكها ونيلها من سلوك طريق النبوة والولاية، لأن إدراكها فوق طور العقل. وأصحاب تلك المعارف، أصحاب المشاهدات والمكاشفات القلبية، دون العباد والزهاد، ولا مطلق الصوفية، إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم، فهؤلاء هم الحكماء بالحقيقة.
ذكر الشيخ شهاب الدين المقتول صاحب الحكمة الاشراقية: " إني كنت زمانا شديد الاشتغال، كثير الفكر والرياضة، وكان يصعب علي مسئلة العلم، وما ذكر في الكتب لم يتنقح لي، فوقعت ليلة من الليالي خلسة في شبه نوم لي، فإذا أنا بلذة غاشية وبرقة لا معة ونور شعشعاني، مع تمثل شبح انساني، فإذا هو إمام الحكماء أرسطاطاليس، فشكوت إليه من صعوبة هذه المسئلة ".
وحكى ما جرى بينه وبين ذلك الحكيم من إفادته إياه، وتحقيقه له مسئلة العلم على وجه انكشف له مقصوده منها، ثم قال:
" إنه أخذ بعد ذلك يثني على أستاذه أفلاطن ثناء تحيرت فيه. فقلت: وهل وصل إليه من فلاسفة الإسلام واحد؟ فقال: ولا إلى جزء من ألف جزء من رتبته ".
" ثم كنت أعد جماعة أعرفهم، فما التفت إليهم. ورجعت إلى أبي يزيد البسطامي، وأبي محمد سهل بن عبد الله التستري وأمثالهما، فكأنه استبشر وقال: أولئك هم الفلاسفة والحكماء حقا، ما وقفوا عند العلم الرسمي، بل جاوزوا إلى العلم الحضوري الاتصالي. وما اشتغلوا بعلائق الهيولى، فلهم الزلفى وحسن مآب. فتحركوا عما تحركنا، ونطقوا بما نطقنا ".
" ثم فارقني، وخلفني أبكي على فراقه.
فوالهفي على تلك الحالة ". - انتهى كلامه.
واعلم أن أرسطاطاليس المذكور، أحد الموصوفين بالحكمة، المذكورين بالفضل والتعظيم، وهم خمسة: هو وأستاذه أفلاطون الإلهي، وأشياخه الثلاثة الإلهيون - سقراط وفيثاغورس وأنباذقلس -، فلقد كانت أنوار الحكمة في قديم الزمان منتشرة في العالم بسعيهم، وكانوا كلهم قائلين بالتوحيد، وحدوث العالم الزماني، وثبوت المعاد للأنفس والأبدان. ونحن قد كشفنا عن رموزهم، وبينا مقاصدهم وعلومهم، سيما إثبات المثل الإلهية والصور المفارقة التي أثبتوها.
وكان باب هذا العلم مغلقا بعدهم على هؤلاء المشهورين بالحكمة وكلما جاؤوا اعترضوا على أفلاطون في إثباته هذه المثل النورية الإلهية، أو ذكروا فيها تأويلات صرفوا بها الكلام عن مقصوده ومقصود أولئك المعظمين الأساطين، وكذا اتحاد النفس الإنسانية بعالم العقل - كما نقل من بعض تلامذة أرسطاطليس - وغيرهما من مسائل شريفة نورية استفدناها من القرآن والحديث.
وكان أرسطاطليس هو معلم اسكندر المعروف بذي القرنين المذكور في القرآن ممدوحا مكرما، وكان ملازما لأفلاطون قريبا من عشرين سنة لاقتباس الحكمة، وكان يسمى في حداثته روحانيا لفرط ذكائه، ويسميه أفلاطون عقلا؛ وهو الذي صنف الكتب المنطقية وجعلها آله للعلوم النظرية، ورتب الأبواب الطبيعية والإلهية، وصنف لكل باب منها كتابا على حدة محافظا على الولاء في أيامه، وأسرف الملك لذي القرنين فانقمع به الشرك في بلاده.
Unknown page