688

وهذا مما لا يعرفه الآن إلا من ذاق اللذتين جميعا - أي لذة الرياسة - وهي فوق اللذات الحيوانية، ولذة المعرفة الإلهية. فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد، والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة؛ ويترك الرياسة، ويستحقر الخلق الذين يرأسهم، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته؛ وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها، وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إثباته مهما أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها.

فتشغله لذة معرفة الله تعالى، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فإنها خالية عن المتزاحمات والمكدرات، متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكثرتها، وإنما عرضها من حيث التقدير السماوات والأرضون.

وإذا خرج النظر عن المحدودات والمقدورات، فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف الرباني بمطالعة معلوماته في جنة عرضها السموات والأرض؛ يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها، وهو آمن من انقطاعها، إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله، لأن محلها الروح الذي هو أمر رباني وسر أسمائي ونور إلهي، إنما الموت يغير أحوالها، ويقطع شواغلها وعوائقها، ويخليها ودارها ومنزلها ومعادها، وأما أن يعدمها فلا.

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم

[آل عمران:169 - 170] الآية.

ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة، فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد، وفي الخبر:

" إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة، وإن الشهداء يتمنون أن يكونوا علماء لما يرون من علو درجة العلماء ".

فإذا جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف، يتبوء منها حيث يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرك اليها بجسمه وشخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات والأرض، وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا، إلا أنهم يتفاوتون في سعة متنزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم:

هم درجات عند الله

[آل عمران:163].............................. ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم ومقاماتهم.

Unknown page