Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
وقد ظهر أن لذة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها، وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا صبي ولا معتوه، وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة، ولكن يؤثرون الرياسة.
فأما كون معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته، وأسرار ملكه، أعظم لذة من الرياسة، فهذا يختص بمعرفته من نال رتب المعرفة وذاقها، ولا يمكن اثبات ذلك عند من لا قلب له، لأن القلب معدن هذه القوة؛ كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان، ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند المزكوم، لأنه فاقد الصفة التي تدرك بها هذه اللذات، ولكن من سلم من آفة العنة، وسلمت حاسة شمه، أدرك التفاوت بين اللذتين، وعند هذا لا ينبغي إلا أن يقال: " من ذاق عرف ".
ولعمري إن طلاب العلوم - وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة العلوم الإلهية - فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات، وانحلال الشبهات التي قوي حرصهم على طلبها، فإنها أيضا معارف وعلوم، وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية، فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه، وقد انكشف له من أسرار ملك الله - ولو الشيء اليسير -، فإنه يصادف في قلبه - عند حصول الكشف - من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروه - وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق -.
فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله ألذ الأشياء وأعظم السعادات، لا سعادة فوقها، وأن لا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه - سيما إذا كان مشفوعا بالاستكبار والافتخار -.
تنبيهات عقلية
واعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال، وكون [الجهل] صفة نقصان، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، ومما يدل على فضيلة العلم، أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية قد علمها، وقدر على الجواب الصواب فرح بذلك وابتهج به، وإن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك، وهذا أمر فطري.
وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم، أكمل اللذات، والشقاوة الحاصلة بالجهل، أشنع أنواع الشقاء.
وأيضا، لو قيل للرجل العالم: " يا جاهل " ، فإنه يتأذى بذلك، وإن كان يعلم كذب ذلك. ولو قيل للرجل الجاهل: " يا عالم " ، فرح بذلك، مع علمه بكذب ذلك.
وأيضا، فالعلم أينما وجد، كان صاحبه معظما محترما ، حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان، احتشمه بعض الإحتشام، وانزجر به بعض الانزجار، وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان.
والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم بالعلم، وإن كثيرا مما كانوا يعاندون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويريدون قتله، كانوا إذا وقع بصرهم عليه، ألقى الله في قلوبهم الرعب، فهابوه وانقادوا له - شعر -:
Unknown page