Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
وأما أن المدرك في نفسه أكمل، فأمر لا يخفى. وأما أنه أشد إدراكا، فأمر أيضا تعرفه بأدنى تذكر منك لما مضى بيانه، فإن البصيرة الإنسانية أكثر عدد مدركات وأشد استقصاء للمدرك، وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض؛ ولها أيضا الخوض في باطن المدرك وظاهره ولبه وقشره.
بل كيف يقاس هذا الإدراك العلمي بذلك الإدراك الحسي، أو تقاس هذه السعادة العقلية بتلك اللذة الحسية والبهيمية والغضبية؟
بل لا يخفى أن في العلم والمعرفة لذة لا تكافيها لذة، ونحن في عالمنا وبدننا هذين، ولانغمارنا في بعض الرذائل، لا نحس بتلك اللذة ولا نحن إليها؛ لكنا لو خلعنا ربقة الشهوة والغضب واخواتهما عن أعناقنا، نفضنا آثارها عن أذيالنا، وطالعنا شيئا من تلك اللذة فحينئذ ربما تخيلنا خيالا طفيفا ضعيفا - وخصوصا عند انحلال المشكلات، وإزالة الشبهات، واستيضاح المطلوبات النفسية - من تلك السعاة التي كلامنا فيها، ومع ذلك نجد منها لذة نستحقر بها سائر اللذات.
ومما يوضح أن اللذات العقلية، والكمالات العلمية، أعظم وأقوى ، أن كل قوة باطنة فبقدر بطونها ألذ كمالا وأقوى بهجة من كل قوة ظاهرية، حتى أن العالم بالشطرنج - على خسته - لا يطيق السكوت عن التعليم، وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه.
وأنت تعلم أنك إذا تأملت عويصا يهمك، وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت عالي النفس كريم الهمة، والأنفس العامية أيضا فإنها تترك الشهوات المعترضة، وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعبير أو سوء مقالة، ولو خير الرجل بين لذة الهريسة والدجاج المسمنة واللوذينج، وبين لذة الرياسة والحكومة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخير خسيس الهمة، ميت القلب، شديد البهيمية، اختار الهريسة والحلاوة؛ وإن كان عالي الهمة، كامل العقل، اختار الرياسة، وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أياما كثيرة.
نعم؛ الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنية كالصبي، أو الذي ماتت قواه الباطنية كالمجنون والمعتوه، لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة الرياسة والكرامة.
وبهذا يتبين أن العلم بالله وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله وتدبيره من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين، أقوى اللذات والسعادات، وأعلى الابتهاجات على من جاوز نقصان الفطرة والصبا، وقصور الخليقة. وأن لذة مطالعة جمال الحضرة الإلهية، والنظر إلى أسرار الأمور الربانية، ألذ من كل حكومة ورياسة، ومن كل شهوة وانتقام.
ولا يمكن فهم هذه اللذة لغير الحكماء الراسخين؛ وغاية العبارة عنها أن يقال كما قال الله [تعالى]:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين
[السجدة:17]. " وانه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
Unknown page