667

ثم جعل الله القوة الناطقة المطيعة لأمر الله، السميعة لأحكامه، المسلمة له ولرسله وملائكته، خليفة في أرض البدن، وأمر جميع القوى المدركة بانقيادها وطاعتها وتسليمها، والسجود لها، والايتمار بأمرها، والانتهاء بنهيها، فأصبحت كلها ساجدة مطيعة لأمر الله خاضعة له، إلا إبليس، القوة الوهمية، لغلبة نارية النفس على طبيعتها، وقلة نورية الإدراك العقلي على فطرتها.

فصارت لشدة أنانيتها النارية، وقلة نوريتها العقلية، وعدم بصيرتها بحال الجوهر الإنساني المخمر طينته عن التراب المشتعل نور فطرته في وادي القدس عن نور رب الأرباب، عاصية متمردة عن الطاعة، زاعمة أن حقيقة الإنسان ليس إلا هذا الجسد الأرضي الفاسد، الذي إن أصابه حر ذاب، وإن أصابه برد جمد، وإن أنتبه لا يشعر، وإن حرك لا يحس بذاته، وإن لم يطعم ذبل، وإن أطعم امتلأ من الدم والنجاسات، كأنه مذبح مجصص ظاهره، مملو باطنه من القاذورات. أو كقبر متحرك في جوفه أنواع من المؤذيات والهوام كالحيات والعقارب والديدان.

فصل

[الأسرار في خلق الإنسان]

إن قولهم هذا يدل على معان مختلفة:

منها: أن الله أنطقهم بهذا القول، ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة، وفي جبلتنا مركوزة، فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء، ولا نعتمد عليها وما نبرئها كما قال تعالى عن قول يوسف عليه السلام:

ومآ أبرىء نفسي

[يوسف:53].

ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله، ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته، وكل فساد وظلم نعمله، هو من شؤم طينتنا وخاصية طبيعتنا، كما قال تعالى:

مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك

Unknown page