Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī
تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني
[91]
قوله عز وجل : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر } ؛ وذلك أن من شرب الخمر وسكر زال عقله وارتكب القبائح ، وربما عربد على جلسائه ، فيؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء ، وكذلك القمار يؤدي إلى ذلك. قال قتادة : (كان الرجل يقامر غيره على ماله وأهله ، فيقمره ويبقى حزينا سلبا ، فيكسبه العداوة والبغضاء لذهاب ماله عنه بغير عوض ولا منة).
قوله تعالى : { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } ؛ أي يريد الشيطان أن يصرفكم عن طاعة الله وعن الصلوات الخمس على ما هو معلوم في العادة من أحوال أهل الشراب والقمار.
قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } ؛ معناه : انتهوا عنهما ، وهذا نهي بألطف الوجوه ؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما ، كما قال تعالى : { فهل أنتم مسلمون }[هود : 14] معناه : أسلموا. فلما نزلت هذه الآية قالوا : (انتهينا يا رب). فأنزل الله تعالى هذه الآية :
قوله تعالى : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } ؛ أي أطيعوا الله والرسول في ترك جميع المعاصي عموما ، واحذروا شرب الخمر وتحليلها وسائر المعاصي ، { فإن توليتم } ؛ أي أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول ، { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } ؛ أي تبليغ الرسالة عن الله بأوامره ونواهيه بلغة تعرفونها. وأما التوفيق والخذلان والثواب والعقاب ، فإلى الله عزوجل.
فلما نزل تحريم الخمر والميسر قال الصحابة : (يا رسول الله! فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟) حتى قال المهاجرون : (يا رسول الله! قتل أصحابنا يوم بدر وماتوا فيما بين بدر وأحد وهم يشربون الخمر ؛ فما حال من مات منهم؟) فأنزل الله قوله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } ؛ أي فيما شربوا من الخمر ، { إذا ما اتقوا } ؛ الشرك ، { وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا } ؛ وصدقوا واجتنبوا الخمر والميسر بعد تحريمها ، { وآمنوا ثم اتقوا } ؛ ما حرم الله كله ، { وأحسنوا }.
وقيل : معناه : (ليس على الذين آمنوا - بالله ورسوله - وعملوا الصالحات) يعني الطاعات (جناح) أي حرج ومأثم (فيما طعموا) من الحرام وشربوا من الخمر قبل تحريمها ، وقبل العلم بتحريمها إذا ما اجتنبوا الكفر والشرك وسائر المعاصي فيما مضى ، { وآمنوا } أي وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وعملوا } الطاعات { ثم اتقوا } شرب الخمر بعد التحريم { وآمنوا } أي أقروها بتحريمها { ثم اتقوا وأحسنوا } أي ثم داوموا على ذلك وضموا إلى ذلك الإحسان في العمل.
وقيل : أراد بالاتقاء الأول : اتقاء جميع المعاصي فيما مضى ، وأراد بالثاني : اتقاء المعاصي في المستقبل ، وأراد بالثالث : اتقاء ظلم العباد في المعاملات. وقيل : أراد بقوله : (إذا ما اتقوا وآمنوا) إذا ما اجتنبوا شرب الخمر بعد تحريمها وصدقوا بتحريمها ، { ثم اتقوا } سائر المعاصي ، وأقروا بتحريم ما يحدث تحريمه من بعد مجانبته ، ثم جمعوا بين اتقاء المعاصي وإحسان العمل والإحسان إلى الناس.
Page 189