Tafsīr al-qurʾān al-ʿaẓīm al-mansūb liʾl-imām al-ṭabarānī

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

الرحيم. تعليم منه سبحانه ؛ ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها ؛ تبركا به. ومعناه أبدأ : { بسم الله } ؛ لأن حرف الباء مع سائر حروف الجر لا يستغني عن فعل مضمر أو مظهر ؛ فكان ضمير الباء في هذه الآية : الأمر.

واختلف الناس في معنى اشتقاق الاسم ؛ وأكثر أهل اللغة على أنه مشتق من السمو ؛ وهو الرفعة. ومعنى الاسم التنبيه على المسمى والدلالة عليه. وقال بعضهم : مشتق من السمة ؛ وهي العلامة ؛ فكان الاسم علامة للمسمى.

وأما { الله } فقال بعضهم : هو اسم لا اشتقاق له ؛ مثل قولك : فرس ؛ ورجل ؛ وجبل ؛ ومعناه عند أهل اللسان : المستحق للعبادة ؛ ولذلك سمت العرب أصنامهم : آلهة ؛ لاعتقادهم استحقاقها للعبادة. وقال بعضهم : هو من قولهم : أله الرجل إلى فلان يأله إلاهة ؛ إذا فزع إليه من أمر نزل به ؛ فآلهه أي أجاره وأمنه. ويقال للمألوه إليه : إلها. كما قالوا للمؤتم به : إماما ؛ فمعناه أن الخلائق يألهون ويتضرعون إليه في الحوائج والشدائد.

واختلفوا في { بسم الله الرحمن الرحيم } هل هي آية من الفاتحة ؟

فقال قراء الكوفة : هي آية منها ؛ وأبى ذلك أهل المدينة والبصرة. وأما قوله { الرحمن الرحيم } فهما اسمان مأخوذان من الرحمة ؛ وزنهما من الفعل نديم وندمان من المنادمة ، وفعلان أبلغ من فعيل ، وهو من أبنية المبالغة. ولا يكون إلا في الصفات ؛ كقولك : شبعان وغضبان ؛ ولهذا كان اسم { الرحمن } مختصا بالله لا يوصف به غيره. وأما اسم { الرحيم } فمشترك.

وعن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الرحمن العاطف على جميع خلقه بإدرار الرزق عليهم " فالرحمة من الله تعالى الإنعام على المحتاج ؛ ومن الآدميين رقة القلب ؛ وإنما جمع بين الرحمن والرحيم للنهاية في الرحمة والإحسان بعد الاحتنان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : [هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر] ولو قال : لطيفان لكان أحسن.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب في أوائل الكتب في أول

الإسلام : [بسمك اللهم] حتى نزل { بسم الله مجرياها }[هود : 41]. فكتب [بسم الله]. ثم نزل : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان }[الإسراء : 110] فكتب : [بسم الله الرحمن]. فنزل : { بسم الله الرحمان الرحيم }[النمل : 30] في سورة النمل ؛ فكتب حينئذ : [بسم الله الرحمن الرحيم].

فإن قيل : لم قدم اسم الله على الرحمن ؟ قيل : لأنه اسم لا ينبغي إلا لله عز وجل. وقيل في تفسير قوله تعالى : { هل تعلم له سميا }[مريم : 65] أي هل تعرف في السهل والجبل والبر والبحر والمشرق والمغرب أحدا اسمه الله غير الله ؟ وقيل : هو اسمه الأعظم. وقدم الرحمن على الرحيم ؛ لأن الرحمن اسم خص به الله ؛ والرحيم مشترك ؛ يقال : رجل رحيم ، ولا يقال : رجل رحمن. وقيل : الرحمن أمدح ؛ والرحيم أرأف.

وإنما أسقطت الألف من اسم الله وأصله باسم الله ؛ لأنها كثرت على ألسنة العرب عند الأكل والشرب والقيام والقعود ؛ فحذفت اختصارا من الخط وإن ذكرت اسما غيره من أسماء الله لم تحذف الألف لقلة الاستعمال ؛ نحو قولك : باسم الرب ، وباسم العزيز ؛ وإن أتيت بحرف سوى الباء لم تحذف الألف أيضا ؛ نحو قولك : لاسم الله حلاوة في القلوب ؛ وليس اسم كاسم الله. وكذلك باسم الرحمن ؛ واسم الجليل ؛ و{ اقرأ باسم ربك }[العلق : 1].

Page 1

[2]

قوله عز وجل : { الحمد لله } ، الحمد والشكر نظيران ؛ إلا أن الحمد أعم من حيث إن فيه معنى المدح من المنعم عليه ؛ وغير المنعم عليه ؛ ولا يكون الشكر إلا من المنعم عليه. والشكر أعم من الحمد من حيث إنه يكون من اللسان والقلب والجوارح ؛ والحمد لا يكون إلا باللسان ؛ ويتبين الفرق بينهما بنقيضهما. فنقيض الحمد الذم ؛ ونقيض الشكر الكفران.

وقوله : { رب العالمين }. الرب في اللغة : اسم لمن يربي الشيء ويصلحه ؛ يقال لسيد العبد : رب ؛ ولزوج المرأة : رب ؛ وللمالك : رب. ولا يقال : الرب معرفا بالألف واللام إلا لله عز وجل. والله تعالى هو المربي والمحول من حال إلى حال ؛ من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك إلى أجل مسمى.

وقوله { رب العالمين } العالم : جمع لا واحد له من لفظه ؛ كالنفر والرهط ؛ وهو اسم لمن يعقل مثل الإنس والجن والملائكة ؛ لأنك لا تقول : رأيت عالما من الإبل والبقر والغنم ؛ إلا أنه حمل اسم العالم في هذه السورة على كل ذي روح دب ودرج لتغليب العقلاء على غيرهم عند الاجتماع. وربما قيل للسموات وما دونها مما أحاطت به : عالم ؛ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لله ثمانية عشر ألف عالم ؛ وإن دنياكم منها عالم ".

Page 2

[3]

وقوله : { الرحمن الرحيم }. قد تقدم تفسيره.

Page 3

[4]

وقوله عز وجل : { مالك يوم الدين }. أي يوم الحساب ؛ فإن قيل : لم خص يوم الدين ؛ وهو ملك الدنيا والآخرة ؟ قيل : لأن الله تعالى لا ينازعه أحد في ملكه ذلك اليوم ؛ كما قال تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار }[غافر : 16].

قرأ عاصم والكسائي : (مالك يوم الدين) بالألف ؛ والباقون بغير ألف. قال أهل النحو : (ملك) أمدح من (مالك) لأن المالك قد يكون غير ملك ولا يكون الملك إلا مالكا. وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقرأ : (مالك يوم الدين) على النداء المضاف ؛ أي يا مالك يوم الدين. وقرأ أنس بن مالك : (ملك يوم الدين) جعله فعلا ماضيا.

Page 4

[5]

قوله عز وجل : { إياك نعبد وإياك نستعين }. لا يحسن إدخال { إياك } في غير المضمرات. وحكي عن الخليل : (إذا بلغ الرجل الستين فإياه ؛ وإيا الشواب). فأضافه إلى ظاهر ؛ وهو قبيح مع جوازه ولا يكون إلا إذا تقدم ، فإن تأخر ؛ قلت : نعبد ؛ ولا يجوز : نعبد إياك. فإن قيل : لم قدم { إياك نعبد } وهلا قال : نعبدك ؟ قيل : إن العرب إذا ذكرت شيئين قدمت الأهم فالأهم ؛ ذكر المعبود في هذه الآية أهم من ذكر العبادة فقدمه عليها.

والكاف من { إياك } في موضع خفض بمنزلة عصاك ؛ وأجاز الفراء : أن تكون في موضع نصب ؛ فكأنه جعل { إياك } بكماله ضمير المنصوب. فإن قيل : لم عدل عن المغايبة إلى المخاطبة ؟ قلنا : مثله كثير في القرآن ؛ قال الله تعالى : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح }[يونس : 22].

Page 5

[6]

قوله عز وجل : { اهدنا الصراط المستقيم } ؛ أي أرشدنا الطريق القائم الذي ترضاه ؛ وهو الإسلام . وهذا دعاء ؛ ومثله بلفظ الأمر ؛ لأن الأمر لمن دونك ؛ والمسألة لمن فوقك.

فإن قيل : ما معنى قولكم : اهدنا! وأنتم مهتدون ؟ قيل : هذا سؤال في مستقبل الزمان عند دعوة الشيطان. وقيل : معناه : ثبتنا على الطريق المستقيم ؛ لا تقلب قلوبنا بمعصيتنا. ونظير قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين }[البقرة : 131] أي أثبت على الإسلام.

وفي { الصراط } أربع لغات : صراط بالصاد ؛ وسراط بالسين ، وبالزاي الخالصة ، وبإشمام الصاد والزاي ، وكل ذلك قد قرئ به ؛ فبالسين قراءة قنبل ، وبإشمام الزاي قراءة خلف ؛ وقرأ الباقون بالصاد الصافية.

Page 6

[7]

وقوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } ؛ هم الأنبياء وأهل طاعة الله تعالى. واختلاف القراءة في { صراط } كاختلافهم في (الصراط).

قوله عز وجل : { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } { المغضوب عليهم } هم اليهود ؛ و{ الضآلين } هم النصارى.

وأما (آمين) فليس من السورة ؛ ولكن روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله ويأمر به. وقال : " لقني جبريل عليه السلام بعد فراغي من فاتحة الكتاب : آمين ، وقال : إنه كالطابع على الكتاب " وقيل : معنى آمين : اللهم استجب. وقيل : معناه : يا آمين ؛ أي يا الله. فآمين اسم من أسماء الله. وقيل : معناه : اللهم اغفر لي. وفي آمين لغتان : المد والقصر ؛ قال الشاعر في القصر : تباعد منى فطحل إذ رأيته أمين فزاد الله ما بيننا بعداوقال آخر في المد : صلى الإله على لوط وشيعته أبا عبيدة قل بالله آمينوقال آخر في المد أيضا : يا رب لا تسلبنى حبها أبدا ويرحم الله عبدا قال آميناقال صلى الله عليه وسلم : " فاتحة الكتاب رقية من كل شيء إلا السأم " وهو الموت. وروي أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " كنت أخشى العذاب على أمتك فلما نزلت الفاتحة أمنت ؛ لأنها سبع آيات ؛ وجهنم لها سبعة أبواب ، فمن قرأها صارت كل آية طبقا على باب ".

Page 7

[1]

قوله عز وجل : { الم } ؛ اختلفوا في تفسير { ألم } وسائر حروف التهجي ، وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود : (أن الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر). ووافقهم في ذلك الشعبي ؛ وقال : (إن لله تعالى سرا في كتبه ؛ وإن سره في القرآن الحروف المقطعة) وقال بعضهم : إنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله تأويلها. وقال علي رضي الله عنه : (لكل شيء صفوة ؛ وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي).

وعن ابن عباس رضي الله رضي الله عنهما : (أن معنى (ألم) : أنا

الله أعلم وأرى ، و(ألمص) : أنا الله أعلم وأفصل ، و(كهيعص) : الكاف من كاف ، والهاء من هاد ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من صادق). ويقال : الألف : مفتاح اسمه الله ؛ واللام : لطيف ، والميم : مجيد ، ومعناه اللطيف المجيد أنزل الكتاب. ويقال : الألف : الله ، واللام : جبريل ، والميم : محمد ، معناه : الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن. وقيل : هذا قسم أقسم الله به أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد هو الكتاب الذي عند الله ، وجوابه : { لا ريب فيه }[البقرة : 2]. وقال محمد بن كعب : (الألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم ملكه). وقال أهل الإشارة : الألف أنا ، واللام لي ، والميم مني.

فصل : وهذه الحروف موقوفة ؛ لأنها حرف هجاء ، وحروف الهجاء لا تعرب كالعدد في قوله : واحد اثنان. ولغاية أدخلوا الواو وحركوه ؛ لأنه صار في حد الأسماء ، فيقال : ألف ولام كالعدد. وكذلك قال الأخفش : [هي ساكنة لا تعرب].

وقوله : (ألم) رفع بالابتداء ؛ و(ذلك) خبره ؛ و(الكتاب) صلة لذلك. ويحتمل أن يكون (ألم) خبرا مقدما تقديره : ذلك الكتاب الذي وعدت أن أوحيه إليك (ألم). ومن أبطل محل الحروف جعل (ذلك) ابتداء و(الكتاب) خبره. و(ألم) صلة ؛ فيكون لذلك معنيان ؛ أحدهما : أن (ذلك) بمعنى ، وقد يستعمل (ذلك) بمعنى ، (هذا). قال خفاف : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إننى أنا ذلكاأي إنني هذا أطرأ لعود عطفه.

والثاني : على الإضمار ؛ كأنه قال : هذا القرآن{ ذلك الكتاب }[البقرة : 2] الذي وعدت في التوراة والإنجيل أن أوحيه إليك. وقيل : (ألم) ابتداء ؛ و(ذلك) ابتداء آخر ؛ و(الكتاب) خبره ، والجملة خبر الأول.

وقال بعض المفسرين : اختلف في{ ذلك الكتاب }[البقرة : 2] ، فقال الحسن وابن عباس وقتادة ومجاهد : (هو القرآن). فعلى هذا يكون { ذلك } بمعنى (هذا) كقوله تعالى : { وتلك حجتنآ }[الأنعام : 83] أي هذه حجتنا. وقيل : معناه : { ذلك الكتاب }[البقرة : 2] الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.

Page 8

[2]

وقوله عز وجل : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } ؛ أي لا شك فيه. ونصب { ريب } لتعميم النفي ؛ ألا ترى أنك تقول : لا رجل في الدار ؛ بالنصب ، فيكون نفيا عاما. وإذا قلت : لا رجل في الدار ؛ بالرفع ، جاز أن يكون في الدار رجلان أو ثلاثة.

قوله عز وجل : { هدى للمتقين } ؛ نصب على الحال ؛ إما من { ذلك الكتاب } ؛ كأنه قال : ذلك الكتاب هاديا. وإما من { لا ريب فيه } كأنه قال { لا ريب فيه } في حال هدايته. ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار (هو) ، أو (فيه).

فإن قيل : لم خص المتقين ؛ وهو هدى لهم ولغيرهم ؟ قيل : تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، وفائدة التخصيص تشريف المتقين ، ومثله : { إنما تنذر من اتبع الذكر }[يس : 11]{ إنمآ أنت منذر من يخشاها }[النازعات : 45].

Page 9

[3]

قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } ؛ أي بالبعث والحساب والجنة والنار. وقيل : (الغيب) هو الله. قوله تعالى : { ويقيمون الصلاة } ، أي الصلوات الخمس بشرائطها في مواقيتها. قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } ؛ يعني الزكاة ؛ وهو الأظهر ؛ لأن الله تعالى قرن بين الصلاة والزكاة في مواضع كثيرة ، وإقامة الصلاة طهارة الأبدان ؛ وإعطاء الزكاة طهارة الأموال. وبالأموال قوام الأبدان ، وقد قيل : هو نفقة الرجل على أهله.

قيل : لما نزل قوله عز وجل : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } الآية ، قالت اليهود : نحن نؤمن بالغيب ونقيم الصلاة وننفق مما رزقنا الله ؛ فأنزل الله تعالى : { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } ، والذي أنزل إليه القرآن والذي أنزل من قبله التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة ؛ فنفروا من ذلك. فإن قيل : لم قال : { وبالآخرة هم يوقنون } ، ولم يقل يؤمنون ؟ قيل : لأن الإيقان توكيد الإيمان ؛ واليقين بالآخرة يقين خبر ودلالة ، ومعنى الآية : وبالدار الآخرة هم يعلمون ويستيقنون أنها كائنة.

Page 10