Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī
تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني
[4]
قوله تعالى : { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } ؛ قال ابن عباس : (لما نزل قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم }[المائدة : 3] جاء عدي بن حاتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن لنا كلابا نتصيد بها فتأخذ البقر والظباء والحمر ، فمنها ما ندرك ذكاته ، ومنها ما لا ندرك ، وقد حرم الله الميتة. فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها : يسألونك يا محمد : أي شيء أحل لهم من الصيد وغيره ؟ قل أحل لكم المباحات. يقال : هذا يطيب لفلان ؛ أي يحل ، قال الله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء }[النساء : 3] أي ما حل لكم. وكل شيء لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة فهو من الطيبات. وقال بعضهم : أراد بالطيبات المستلذات والمشتهيات ، وهو عام أريد به غير ما تضمنته الآية المتقدمة.
قوله تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } أي وأحل صيد ما علمتم ، فحذف ذكر الصيد لأن في الكلام دليلا عليه ، والجوارح : هي الكواسب من الفهد ؛ والصقر ؛ والباز ؛ والعقاب ؛ والنسر ؛ والباشق ؛ والشاهين وسائر ما يصطاد به الصيد. قال الله تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار }[الأنعام : 60] أي كسبتم ، وقيل : معنى الجوارح : الجارحات بنات أو مخلب. قوله تعالى : { مكلبين } حال للمعلمين ؛ أي في حال إغرائهم الكلب على الصيد ، والتكليب : إغراء السبع على الصيد وإرساله.
ومن قرأ (مكلبين) بفتح اللام فهو حال من الكواسب المعلمين. وقرأ ابن مسعود والحسن : (مكلبين) بإسكان الكاف وتخفيف اللام ، فعلى هذا المعنى يجوز أن يكون من قولهم : أكلب الرجل إذا كثرت كلابه ، وأمشى إذا كثرت ماشيته ، ولذلك ذكر الكلاب ؛ لأنها أعم وأكثر ، والمراد به جميع الجوارح.
قوله تعالى : { تعلمونهن مما علمكم الله } ؛ أي تؤدبوهن أن يمسكن الصيد عليكم كما أدبكم الله تعالى : { فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } ؛ أي على الإرسال ، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعدي بن حاتم : " إذا أرسلت كلبك المعلم ، وسميت الله تعالى فكل ، وإن أكل منه فلا تأكل ، فإنه إنما أمسك على نفسه " وفي بعض الروايات : " وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على كلب غيرك "
وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الإمساك في هذه الآية أن يحفظ الكلب الصيد حتى يجيء صاحبه ، فإن تركه حتى غاب عن صاحبه ثم وجده صاحبه بعد ذلك ميتا لم يحل أكله. قال صلى الله عليه وسلم : " كل ما أصميت ، ودع ما أنميت " ، قيل : الإصماء : ما رأيت ؛ والإنماء ما توارى عنك.
Page 115