534

Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

[93]

قوله عز وجل : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها } ؛ قال ابن عباس : (نزلت في مقيس بن خبابة ؛ وجد أخاه قتيلا في بني النجار ؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فأرسل معه رجلا من بني فهر ، وقال له : " إئت بني النجار فأقرئهم مني السلام ؛ وقل لهم : رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى مقيس يقتص منه ، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته " فأبلغهم الفهري ذلك ، فقالوا : سمعا وطاعة لله ولرسوله ؛ والله ما نعلم له قاتلا ؛ ولكنا نؤدي ديته ، فأعطوه مائة من الإبل ، وانصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب ، فوسوس الشيطان إلى مقيس وقال له : أي سبب صنعت بقبول دية أخيك فتكون عليك سبة ، أقتل الذي معك تكون نفس مكان نفس وفضل الدية ، فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه فقتله ، ثم ركب بعيرا منهما وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا ، وجعل يقول : قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار وأرباب فارعفأدركت ثأري واضطجعت موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجعفنزلت هذه الآية ، وقتل مقيس يوم فتح مكة.

ومعناها : ومن يقتل مؤمنا متعمدا في قلته مستحلا له فجزاؤه جهنم خالدا فيها باستحلاله له وارتداده عن إسلامه ، { وغضب الله عليه } ؛ بقتله غير قاتل أخيه ؛ { ولعنه } ؛ أي باعده من رحمته ، { وأعد له عذابا عظيما } ؛ بجرأته على الله بقتل نفس بغير حق.

واختلف الناس في حكم هذه الآية ، قالت الخوارج والمعتزلة : (إنها في المؤمن إذا قتل مؤمنا ، وهذا الوعيد لاحق به). وقالت المرجئة : (إنها نزلت في كافر قتل مؤمنا ، فأما المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنه لا يخلد في النار).

وقالت طائفة من أصحاب الحديث : كل مؤمن قتل مؤمنا فهو خالد في النار غير مؤبد يخرج بشفاعة الشافعين ، وزعمت : أنه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا.

والصحيح : أن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا يكفر بذلك ولا يخرج من الإيمان ؛ إلا إذا فعل ذلك مستحلا له ، فإن أقيد بمن قتله فذلك كفارة له ، وإن كان تائبا من ذلك ولم يكن معادا كانت التوبة أيضا كفارة له ، فإن مات بلا توبة ولا قود فأمره إلى الله ؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعده بإيمانه ؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد ، وترك المجازاة بالوعيد يكون منه تفضلا ، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا ، تعالى الله عن الخلف علوا كبيرا.

والدليل على أن المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا ، ولا خارجا عن الإيمان قوله تعالى :

Page 34