364

والمقدمة التي هي مبدأ برهان ولا وسط لها البتة ولا تكتسب من جهة غير العقل، فإنها تسمى العلم المتعارف والمقدمة الواجب قبولها. وأما كل شيء بعدها مما يلقن في افتتاحات العلوم تلقينا - سواء كان حدا أو مقدمة - ففي الظاهر أنهم يسمونها وضعا. والحد يخالف المقدمة التي يكلف المتعلم تسليمها وليست بينة بنفسها، بل يخالف كل مقدمة. وإن كان الحد قد يقال على هيئة مقدمة : مثلا كما لقائل أن يقول إن الوحدة هي ما لا ينقسم بالكم. ووجه المخالفة أن الغرض ليس أن يصدق على الوحدة محمول ما، بل أن يتصور معنى اسم الوحدة أو معنى ذات الوحدة، لا أنها هل هي كذا أو ليست كذا. ثم لا سبيل إلى تلقين ذلك إلا بقول يقال على هيئة المقدمة ولا يكون في ذلك منازعة البتة : لأن لكل حد أن يوضع له كل اسم. إنما تقع المنازعة في الحدود - إن وقعت - لا في معنى التصديق بل في خطأ إن وقع في التصور. وأما المقدمة فإنما تورد ليقرر بها التصديق لا التصور.

ثم إن المقدمة الوضعية تختص دون الحد باسم آخر، وهو الأصل الموضوع. والحد وضع وليس أصلا موضوعا، لأنه لا إيجاب فيه و لا سلب.

وقوم يسمون الأصل الموضوع بالمصادرة. وقوم يقسمون الأصل الموضوع إلى مقبول، بالمساهلة، وليس في نفس المتعلم رأى يخالفه، ويخصونه مرة أخرى باسم " الأصل الموضوع " وإلى متوقف فيه بحسب ضمان المعلم بيانه في وقته وفي نفس المتعلم رأى يخالفه. وربما قالوا " وضع " لكل أصل موضوع فيه تصديق ما - كان أوليا أو غير أولى - كان في نفس المتعلم ما يخالفه أو لم يكن.

وربما سمى في التعليم الأول باسم الوضع كل رأى يخالف ظاهر الحق يقال باللسان دون العقل : مثل قول من قال إن الكل واحد وإنه لا حركة.

وربما قصر المتعلم عن تصور الأوليات في العقل أولية، فتصير الأوليات بالقياس إليه أوضاعا، وذلك إما لنقص في فطرته أصلى أو حادث، مرضى أو سني؛ أو لتشوش من فطرته بآراء مقبولة أو مشهورة يلزم بها رد الأولى لئلا ينتج نقيضها. وربما كان اللفظ غير مفهوم فيحتاج أن يبدل، أو يكون المعنى غامضا لا يفهم، فإذا فهم أذعن له. وغموضه قد يكون كثيرا لكليته وتجريده وبعده عن الخيال. وفي مثل هذا قد يستقرى المخاطب الجزئيات فينتفع كثيرا لأن الاستقراء وإن كان لا يثبت، فقد يذكر.

وعلى الأحوال كلها فيجب أن نضع أن مبادئ العلوم حدود ومقدمات واجب قبولها في أول العقل، أو بالحس والتجربة، أو بقياس بديهي في العقل. وبعد هذا أصول موضوعه مشكوك فيها ولكن لا يخالفها رأى المتعلم، ومصادرات. وليست الأصول الموضوعة تستعمل في كل علم، بل من العلوم ما يستعمل فيها الحدود والأوليات فقط كالحساب. وأما الهندسة فيستعمل فيها جميع ذلك. والعلم الطبيعي أيضا قد يستعمل فيه جميع ذلك، ولكن مخلوطا غير مميز.

ولما كان البرهان يوقع لنا تصديقا يقينا بمجهول، وإنما يوقعه البرهان بسبب مبادئ البرهان، فيجب أن يكون تصديقنا بها متقدما. وليس يكفينا أن نكون مصدقين بمبادئ البرهان كلها أو بعضها، أي الذي ليس بمصادرة فقط، بل يكون تصديقنا بها آكد وأولى من تصديقنا بالنتيجة، ةتكذيبا بمقابلاتها أشد من تكذيبنا بمقابل النتيجة. وليس المقابل بالنقيض فقط، بل وبالضد. وإنما وجب ذلك لأنه إذا كان شيء علة لشيء في معنى يشتركان فيه، فيجب أن يكون ذلك المعنى في العلة آكد واكثر إذا كان من أجله يحصل في الآخر. فإنا إذا كنا نحب شيئين لكن حب أحدهما سبب لأن تحب الآخر، فالسبب أولى بأن يحب أكثر كالولد والمعلم في الآخر أو لمخالطة من الضد للأخر، كما يطن من أن الأولى بالسوادية ما شارك في نفس السواد وكان أزيد سوادية فيكون الآخر أزيد بياضية، حتى يكون الشيء إنما يكون أولى بالصدق إذا كان الآخر أولى باللا صدق فيخالطه شيء من الكتب. بل قد يقال إن كذا أولى بكذا من كذا إذا كانا في طبيعة سواء لكن أحدهما له المر في نفسه أولا وللآخر بعد.

Page 420