365

وإذا صدقت النفس بأمرين كليهما، لكن صدقت بأحد الأمرين قبل والآخر بعد، كانت النفس تصدق (96 ب) بأحدهما ملتفتة إليه نفسه، وبالآخر ليس ملتفتة إليه نفسه بل ملتفتة إلى الأول، فكان التصديق بالأول أشد لهذا المعنى. فإن شوشك هذا الفصل فدعه فلا كبير جدوى فيه. واعلم لما سمع ما قيل في التعليم الأول حيث قيل ما قيل : " فجميع التي يأخذها وهي مقبولة من حيث لم يبينها، إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم فإنما يضعها وضعا، وهي أصل موضوع : أعني الوضع لا على الإطلاق لكنها عند ذلك فقط. فأما أن هو أخذه من حيث ليس له فيه بعينه ولا ظن واحد، أومن حيث ظنه على ضد، فإنما يصادر عليه مصادرة " ، وهذا هو الفرق المذكور في التعليم الأول بين المصادرة وبين الأصل الموضوع، وذلك أن المصادرة هو ما كان مقابلا لظن المتعلم، وهو هذا الذي يأخذه الإنسان وهو متبرهن ويستعمله من حيث لم يبينه، ظنوا أن الأصل الموضوع هو الذي يتبين بأدنى تأمل، وأن المصادرة ما لا يتبين بأدنى تأمل؛ بل كأن الأصل الموضوع هو الذي يحضر المتعلم حقيقته إذا فكر أدنى فكر، وأن المصادرة هو ما لا سبيل له إلى ذلك : وليس الأمر كذلك. فإن الذي يتبين بأدنى تأمل إما أن يكون التأمل هو الاستكشاف لمفهوم اللفظ على سبيل التنبيه : وهو أن يكون الشيء حقه أن يعلم ثم يذهب عنه المتعلم ولا يتبينه لنوع من الغفلة عن مفهوم اللفظ. وإما أن يكون التأمل هو الاستكشاف لحال القول في صدقه لا في فهمه. فأما الاستكشاف للتصور فليس إنما يعرض في القسم الذي هو الأصل الموضوع، بل قد يقع أيضا في الأوائل الحقيقية؛ فإنها ربما ذهب عنها وأغفلت حتى أنكرت فيحتاج أن ينبه المتعلم. فأما التأمل للتصديق فالتصديق بالمجهول لا يتضح إلا بالوسط، فيكون هذا الاستكشاف هو ابتغاء الحد الأوسط هو ابتغاء الحد الأوسط في موضع بنوع يسهل على المتعلم إدراكه. فيشبه أن تكون المطالب والمسائل القليلة الأوساط أصولا موضوعة. فإن كان كذلك صار كثير من المسائل السهلة التي في الهندسة التي لها بأدنى تأمل، من جملة الأصول الموضوعة : وهذا محال. بل الأصول الموضوعة هي المقدمات المجهولة في أنفسها التي من حقها أن تبين في صناعة أخرى إذ كان المتعلم قد قبلها وظنها بحسن ظنه بالمعلم وثقته بأن ما يراه من ذلك صدق.

والمصادرة ما كان كذلك، لكن المتعلم يظن ما يراه المعلم ظن مقابلة، أو لم يظن شيئا. والمؤكد بالجملة فيه أن يكون عند المتعلم ظن يقابله. بل الأشبه أن تكون المصادرة هي ما تكلف المتعلم تسليمه وإن لم يظنه، كان من المبادئ أو كان من المسائل في ذلك العلم بعينه : لمسائل التي تتبين بعد فيستسمح بتسليمها في درجة متقدمة. فيكون المبدأ الواحد الذي ليس أبينا بنفسه أصلا موضوعا باعتبار، ومصادرة باعتبار.

وقد يكون مثل ذلك الاعتبار في غير المبدأ للصناعة، بل في مبدأ لبعض مسائل الصناعة إذا كان يتبين في الصناعة. فيقال لذلك المبدأ " مصادرة " .

Page 421