363

فقد بان أن طبائع الأنواع اعرف من طبائع الأجناس في الطبيعة، وإن كان الجنس أقدم بالطبع من النوع. لكن طبائع الأجناس أقدم عندنا من طبائع الأنواع - أعني بالقياس إلى عقولنا وإدراك عقولنا الإدراك المحقق لها : فأن العقل أول شيء إنما يدرك المعنى العام الكلى، وثانيا يتوصل إلى ما هو مفصل. فلهذا ما نجد الناس كلهم مشتركين في معرفة الأشياء بنوع أعم. وأما نوعيات الأشياء فإنما يعرفها أكثر من بحثه اكثر. ونحن في مبدأ استفادتنا للمدركات يلوح لنا ما هو أقدم عندنا على الإطلاق وأشد تأخرا في الطبيعة على الإطلاق - وهي الجزئيات المحسوسات - فنقتنص منها الكليات. وبعد ذلك إذا أردنا أن نتحقق الكليات تحققا كليا ليس شيئا منتشرا خياليا، يكون ما نبتدأ منه هو من جانب الأعرف عندنا، والأقدم عند الطبيعة (96 أ) معا، ونسلك منه منحطا على التدريج إلى الخواص والجزئيات، أي النوعيات، فنبحث أول شيء أعم بحث، ثم نفصل وننزع التدريج. فإذا كنا نتعرف أول شيء طبائع الكليات الجنسية ثم النوعية، فإنا نكون قد ابتدأنا مما هو أقدم بالطبع وأعلاف عندنا وليس أعرف عند الطبيعة وانتهينا إلى ما ليس أقدم بالطبع من الجهة التي حددنا بها الأقدم بالطبع، لكنه أعرف عند الطبيعة. فإذا انتهينا إلى الأنواع الأخيرة ختمنا التعليم، فإنا لا ننزل إلى الأشخاص، وإنما نختم التعليم عند الأشياء التي هي أعرف عند الطبيعة. فأما إذا ابتدأنا أولا وأخذنا من البسائط وصرنا على طريق التركيب إلى المركبات، فنكون قد ابتدأنا مما هو أقدم في الطبع. لكن وإن كان ذلك مما خصصنا به نظرنا أعرف عندنا، فليس هو دائما اعرف عندنا، فإنه ليس كل بسيط أعرف عندنا من المركب، وإن كان هذا البسيط النافع لنا في معرفة هذا المركب المخصوص أعرف عندنا، ونكون قد سلكنا سبيلا برهانيا لا محالة، لأن البسائط أسباب. فلنبحث هل البسائط أعرف عند الطبيعة أو المركبات. فأما البسائط التي هي أجزاء من المركبات فيشبه أن تكون هي لأجل المركبات، فإن المادة لأجل الصورة والجزء لأجل الكل. فيجب أن تكون المركبات أعرف عند الطبيعة لأنها هي الغاية لتلك البسائط، وهذا هو الأصح. ولا يجب أن تكون الأجزاء واحد منها أعرف من الآخر من حيث أنها أجزاء. بل هي سواء في المعرفة عند الطبيعة، إلا أن تعتبر لبعضها خصوصية زائدة على أنها جزء.

وأما البسائط التي هي علل كالفواعل والغايات فليست بأجزاء المعلولات. فيشبه أن تكون هي أعرف وأقدم معا عند الطبيعة من المعلولات التي لها بالذات، فيكون البيان منها برهانيا: لكن عما هو أقدم عند الطبع وأعرف عند الطبع معا لما هو أشد تأخرا.

فإن ابتدأنا عن المركبات وسلكنا إلى البسائط، أو ابتدأنا من الجزئيات وسلكنا إلى الكليات بالاستقراء، فإنا نكون مستدلين غير مبرهنين، ويكون قد اتفق إن كان الأعرف هو الأعرف عند الطبيعة. فيجب أن تتحقق هذه الأصول على هذا المأخذ.

فإن قال قائل ما قد قاله بعضهم : إن المعنى الجنسي أعرف عند الطبيعة لأنه وإن لم يعرف بحسب شيء فهو في نفسه وبقياس الحق أعرف. فيقال له : لا معنى لقولك إنه بقياس الحق أعرف، لأن الشيء إنما يصير معروفا بعارفه، وعارفه إما نحن بالعقل أو كل ما هو ذو عقل. وأما الطبيعة في قصدها لنظام الكل على سبيل الاستعارة فيكون الأعرف عندها ما تقصده بنظام الكل. فإن اعتبرنا بالمعرفة الحقيقية، فالطبيعة الجنسية لا تكون معروفة بذاتها إلا بالقوة : وأما بالفعل فإنما تعرف إذا عرفت بالعقول. وإنما تكون معروفة بذاتها بالقوة على النحو الذي نريد أن تصير معروفة بالفعل. ولا ينكر أحد إن الطبيعة الجنسية أعرف عند العقول، فإن الطريقة البرهانية تأخذ مما هو أعرف عند العقول إلى ما هو أعرف عند الطبيعة كما يصرح به المعلم الأول في ابتداء تعليمه للطبيعيات. ونحن نتقبل به هناك ونشرح الأمر فيه.

الفصل الثاني عشر في مبدأ البرهان

ومبدأ البرهان يقال على وهين. فقال مبدأ البرهان بحسب العلم مطلقا، ويقال مبدأ البرهان بحسب علم ما. ومبدأ البرهان بحسب العلم مطلقا هو مقدمة غير ذات وسط على الإطلاق، أي ليس من شأنها أن يتلق بيان نسبة محمولها إلى موضوعها - كانت إيجابا أو سلبا - بحد أوسط فتكون مقدمة أخرى أقدم منها وقبلها.

ومبدأ البرهان بحسب علم ما يجوز أن يكون ذا وسط في نفسه، لكنه يوضع في ذلك العلم وضعا ولا يكون له في مرتبته في ذلك العلم وسط، بل إما أن يكون وسكه في علم قبله أو معه، أو يكون وسطه في ذلك العلم بعد تلك المرتبة كما ستعرف الحال فيه.

وكلا القسمين من مبدأ البرهان. ويتفقان في أن كل واحد منهما أحد طرفي النقيض بعينه ولا يمكن أن يكون الآخر برهانيا. ويخالفان المقدمة الجدلية بأن الجدلية وإن كانت أحد طرفي النقيض فليس بعينه على ما علمت.

Page 419