Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( 46 ) ( وعن عمرو بن عبسة ) بفتحات ، كنيته أبو نجيح السلمي أسلم قديما في أول الإسلام ، قيل : كان رابع أربعة في الإسلام ثم رجع إلى قومه بني سليم ، وقال له النبي : ( إذا سمعت أني خرجت فاتبعني ) ، فلم يزل مقيما بقومه حتى انقضت خيبر ، فقدم بعد ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام ، وأقام بالمدينة وعداده في الشاميين ، روى عنه جماعة . ( رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله ) أي جئته لطلب العلم ( فقلت : يا رسول الله من معك على هذا الأمر ؟ ) أي من يوافقك على ما أنت عليه من أمر الدين ( قال : حر وعبد ) أي كل حر وعبد يعني مأمور بالموافقة ، وقيل : أبو بكر وزيد ، أو أبو بكر وبلال ، ويؤيده ما في إحدى روايات مسلم : ( ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ) ، ولعل عليا رضي الله عنه لم يذكر لصغره ، وكذا خديجة لسترها وعدم ظهورها ( قلت : ما الإسلام ؟ ) أي علامته ، أو شعبه ، أو كماله ( قال : طيب الكلام وإطعام الطعام ) فيهما إشارة إلى الحث على مكارم الأخلاق ، وإظهار الإحسان لأفراد الإنسان ولو بحلاوة اللسان ( قلت : ما الإيمان ؟ ) أي ثمرته ونتيجته ( قال : الصبر ) أي على الطاعة وعن المعصية وفي المصيبة ( والسماحة ) أي السخاوة بالزهد في الدنيا والإحسان والكرم للفقراء ، وقيل : الصبر على المفقود والسماحة بالموجود ( قال : قلت : أي الإسلام ) أي خصاله ، أو أهله وهو أولى ( أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، قال : قلت : أي الإيمان أفضل ؟ ) أي أي أخلاقه ، أو خصاله ( قال : خلق حسن ) بضم اللام وتسكن ، وهو صفة جامعة للخصال السنية والشمائل البهية ، قال تعالى : 16 ( { وإنك لعلي خلق عظيم } ) [ القلم 4 ] ولذا قالت الصديقة رضي الله عنها : ( كان خلقه القرآن ) ، أي يأتمر بما أمر الله تعالى فيه وينتهي عما نهى الله عنه ، وذكر شيخ مشايخنا خاتمة المحدثين وآخر المجتهدين جلال الدين السيوطي رحمه الله . أنه حديث حسن ، رواه الحسن عن الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن ( أن أحسن الحسن الخلق الحسن ) . وقال بعض المحققين : الخلق الحسن هو بسط الوجه المسمى بالمحيا ، وبذل الندى والعطاء ، وكف الأذى ، وأن لا يخاصم لشدة معرفته بالله تعالى ، ولذا قيل : الصوفي لا يخاصم ولا يخاصم ، أو إرضاء الخلق في السراء والضراء . وقال سهل : أدناه الإحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والإستغفار له والشفقة عليه . والتحقيق أنه قد لاح وبان عند أرباب العرفان بطوالع الوحي ولوائح الوجدان ، أن الإنسان جوهر لطيف نوراني من عالم الأمر شبيه بالجواهر القدسية الملكوتية ، وله قوتان يحظى بكمالهما ويشقى بسبب اختلالهما ؛ قوة عاقلة تدرك حقائق الموجودات بأجناسها وأنواعها وتنتقل منها إلى معرفة من اشتغل بإبداعها ، وعاملة تدرك النافع نافعا فتميل إليه والضار مضرا فتنفر عنه ، وذلك أمور معاشية تتعلق بحفظ النوع وكمال البدن ، ولذا ورد ( خالق الناس بخلق حسن ) ، أو ملكات فاضلة وأحوال باطنة هي الخلق الحسن ؛ وهو إما تزكية النفس عن الرذائل وأصولها عشرة الطعام والكلام والغضب والحسد والبخل وحب المال والجاه والكبر والعجب والرياء ، أو تحليتها بالفضائل وأمهاتها عشرة التوبة والخوف والزهد والصبر والشكر والإخلاص والتوكل والمحبة والرضا بالقضاء وذكر الموت . والخلق ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس بسهولة من غير سبق روية ، وتنقسم إلى فضيلة هي الوسط ورذيلة وهي الأطراف ، ولذا قال تعالى : 16 ( { وإنك لعلي خلق عظيم } ) [ القلم 4 ] ( قال : قلت : أي الصلاة ) [ أي ] أي أركانها ، أو كيفياتها ( أفضل ؟ ) أي أكثر ثوابا [ وفضلا ] ( قال : طول القنوت ) أي القيام ، أو القراءة ، أو الخشوع ( قال : قلت أي الهجرة ) أي أفرادها ( أفضل ؟ ) فإن الهجرة أنواع ، إلى الحبشة عند إيذاء الكفار للصحابة ، ومن مكة إلى المدينة ، وفي معناه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وهجرة القبائل لتعلم المسائل من النبي ، والهجرة عما نهى الله عنه . ( قال : أن تهجر ما كره ربك ) كراهة تحريم أو تنزيه ، وهذا النوع هو الأفضل لأنه الأعم الأشمل ( قال : فقلت : ) وفي نسخة قلت ( فأي الجهاد ) أي أنواعه ، أو أهله ( أفضل ؟ قال : من عقر ) [ بالبناء للمفعول ] ( جواده ) أي قتل فرسه ( وأهريق دمه ) بضم الهمزة وسكون الهاء ، وقيل : بفتحها وهو وهم ، أي صب وسكب يقال : أراق يريق وهراق يهريق بقلب الهمزة هاء ، وإهراق يهريق بزيادتها كما زيدت السين في استطاع . والهاء في مضارع الأول محركة وفي مضارع الثاني مسكنة كذا قاله صاحب الفائق ، وقال الحجازي في حاشية الشفاء : لا تفتح الهاء مع الهمزة . وإنما كان هذا الجهاد أفضل لإشتماله على الجهادين جهاد فارس وجهاد راجل ، أو لجمعه بين الإنفاق في سبيل الله والشهادة في مرضاة مولاه ( قال : قلت : أي الساعات ) أي لتحصيل الطاعات ( أفضل ؟ قال : جوف الليل ) أي وسطه ، لأنه أقرب إلى الصفاء وأبعد عن الرياء ( الآخر ) صفة جوف ، أي النصف الأخير من الليل ، فإنه أشق على النفس وأخلى من الخلق وأقرب إلى تنزل رحمة الله ( رواه أحمد ) .
( 47 ) ( وعن معاذ بن جبل [ رضي الله عنه ] قال : سمعت رسول الله يقول : من لقي الله ) يعني من مات ( لا يشرك به شيئا ) أي جليا أو خفيا ، أي حال كونه غير مشرك يعني يكون موحدا مؤمنا ( ويصلي الخمس ) أي خمس صلوات كل يوم وليلة في خمسة أوقات بركعات معدودات مقرونة بشرائط وأركان معلومات ( ويصوم رمضان ) أي شهره في كل سنة أياما معدودات ، ولعل ترك الزكاة والحج لأنهما مختصان بالأغنياء ، أو كان قبل فرضيتهما ( غفر له ) أي غفر الله له ذنوبه الصغائر التي بين كل صلاة وصلاة وكل صوم وصوم ، أو الكبائر التي بينه وبين الله تعالى إن شاء ، وأما حقوق العباد فيمكن أن يرضيهم الله تعالى من فضله ( قلت : ) ذكرت ذلك ( أفلا أبشرهم ) أي عموم الناس ( يا رسول الله ؟ ) حتى يفرحوا بهذه البشارة ( قال : دعهم ) أي اتركهم بلا بشارة ( يعملوا ) مجزوم على جواب الأمر ، أي يجتهدوا في زيادة العبادة ولا يتكلوا على هذا الإجمال ولا يرتكبوا من قبائح الأفعال ، فإن هذا دأب العوام في غالب الأحوال بخلاف الخواص وأصحاب الإختصاص ، إذ لو فرض وقدر أن ليس هناك جنة ولا نار ما عصوا الله تعالى ساعة في ليل ولا ونهار ، وقد ورد في الحديث : ( رحم الله صهيبا لو لم يخف الله لم يعصه ) ، بل يزيدون في العبادة بعد البشارة شكرا لهذه الإشارة ، ويخافون أن البشارة تكون مقيدة بقيد مطوي تحت العبارة امتحانا من رب العباد والله رؤوف بالعباد . ( رواه أحمد ) .
Page 202