777

القميص والمنشفة، ومتفكر في قول سيدي الرضا، إذ مر بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرئاستين وعليه الممطر، ووقف بالقرب مني ليجتمع عليه أصحابه وهو ينشد: (مدارس آيات خلت من تلاوة) ويبكي، فلما رأيت ذلك منه عجبت من لص من الأكراد يتشيع، ثم طمعت في القميص والمنشفة، فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: وما أنت وذاك ويلك؟ فقلت: لي فيه سبب أخبرك به، فقال: هي أشهر بصاحبها أن تجهل، فقلت: من هو؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد جزاه الله خيرا، فقلت له: والله يا سيدي أنا دعبل وهذه قصيدتي، فقال: ويلك ما تقول؟ قلت: الأمر أشهر من ذلك.

فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة وسألهم عني، فقالوا بأسرهم :

هذا دعبل بن علي الخزاعي، فقال: قد أطلقت كلما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك، ثم نادى في أصحابه: من أخذ شيئا فليرده، فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم ورجع إلي جميع ما كان معي، ثم بذرقنا (1) إلى المأمن فحرست أنا والقافلة ببركة القميص والمنشفة.

فانظر إلى هذه المنقبة ما أشرفها وما أعلاها، وقد يقف على هذه القصة بعض الناس ممن يطالع هذا الكتاب ويقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة بمدارس آيات، ويشتهي الوقوف عليها، وينسبني في إعراضي عن ذكرها إما أنني لم أعرفها أو أنني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها، فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس، وأن أدفع عني هذا النقص المتطرف إلي ببعض الظنون، فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي:

ذكرت محل الربع من عرفات

فأسبلت دمع العين بالعبرات (2)

وقل عرى صبري وهاجت صبابتي

رسوم ديار أقفرت وعرات (3)

Page 788