977

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

أى عند نفسك فى الدنيا، وقوله تعالى { أين شركائى قالوا آذناك } أى بمن زعمتم أنهم شركائى، ويجوز تقدير الاستفهام أى أهذا ربى فى المواقع الثلاثة. قال فى عرائس القرآن وغيره ولد إبراهيم عليه السلام فى زمان نمرود بن كنعان، وقال نمرود من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون وقالوا إنه يولد فى بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، وقد قالوا له قيل ذلك إنه يولد فى سنة كذا لهذه السنة، ويقال إنهم وجدوا ذلك فى كتب الأنبياء، ويقال رأى نمرود فى منامه كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهان والمنجمين والقافة، وأهل مساحة الأرض، وسألهم عن ذلك وقالوا هو مولود يولد فى ناحيتك فى هذه السنة، يكون هلاكك وزوال ملكك، وهلاك أهل دينك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد فى تلك السنة فى ناحيته، وإن ولدت أنثى تركها، وأمر بعزل النساء عن الرجال، وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم، فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون فى الحيض، فإذا طهرت حالوا بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم.

قال محمد بن إسحاق بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى فى قريته قرب ولادتها فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها، لأنها كانت جارية صغيرة لا يعرف الحبل فى بطنها، وقال السدى خرج نمرود بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود، فمكث بذلك ما شاء الله، ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه فأحضره عنده وقال له إن لى إليك حاجة أحب أن أوصيك بها، ولم أبعثك فيها إلا لثقتى بك، فأقسمت عليك ألا تدنو من أهلك، فقال آزر أنا أشح على دينى من ذلك، فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة نمرود، ثم قال لو دخلت على أهلى فنظرت إليهم، فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها لم يتمالك حتى واقعها، فحملت من ساعتها بإبراهيم. قال ابن عباس فقالت الكهان لنمرود إن الغلام الذى أخبرنا به قد حملت أمه به الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان التى يمكن حملها من تلك الليلة، وأمر بأن تعزل النساء إلا اللاتى استبان فيهن الحمل، وظهر تقدمه على الليلة، فلا يذبح أولادهن، ولما دنت ولادة أم إبراهيم، وأخذها المخاض، هربت مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته من بطنها فى نهر يابس ولفته فى خرقة، فرجعت فأخبرت زوجها أنها ولدت، وأن الولد فى موضع كذا، فانطلق أبوه فأخذه وحفر له سربا فى النهر وسد بابه مخافة السباع، وكلنت أمه تختلف إليه فترضعه. وعن ابن إسحاق لما وجدت الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قربا منها، فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصلح بالمولود، ثم سدت عليه باب المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، وكانت تختلف إليه تنظر ما فعل فتجده حيا يمحص إبهامه، قالت أم إبراهيم لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع سمنا ومن أصبع عسلا، ومن أصبع تمرا. وقيل كان يغذوه ملك، وقيل تأتيه أمه بألبان النساء التى ذبح أبناؤهن، وقال السدى لما عظم بطن أم إبراهيم خشى آزر أن تذبح هى وما فى بطنها، فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها أوراقا، فأنزلها هناك فى سرب من الأرض، وجعل عندها ما يصلحها، وجعل يتعهدها حتى ولدت، وذلك مخافة أن تقتل هى وأن يقتل ولدها، إذ سترت نفسها.

وقال محمد بن إسحاق سأل آزر أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت ولدت غلاما فمات فصدقها وسكت عنها، وكان يشب فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، فلم يمكث فى المغارة إلا خمسة عشر، وقيل سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، قلت وقيل عشر سنين، وقيل خمس عشر، قال وقيل سبع عشرة سنة قيل قال لها أخرجينى فأخرجته عشاء، وتفكر فى خلق السماوات والأرض وقال إن الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى الذى مالى إله غيره، ونظر فى السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى، وأتبعه بصره إليه حتى غاب، وكذا القمر والشمس كما ذكر الله جل وعلا. وعلى قول ابن إسحاق المتقدم لما رجعت به أخبرت أباه أنه ابنه وأخبرته بما صنع فسر بذلك، وفرح فرحا شديدا، وعلى القول بأن أباه علم به أنه فى الغار قيل إنه لما شب فى السرب قال لأمه من ربى؟ قالت أنا، قال فمن ربك؟ قالت أبوك، قال فمن رب أبى؟ قالت أسكت، وقيل قالت نمرود، وقال من رب نمرود؟ قالت أسكت، وذلك قوله تعالى { ولقد آتينا إبراهيم رشده } ويروى قالت اسكت وضربته، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذى كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم يا أبتاه من ربى؟ قال أمك، قال فمن رب أمى؟ قال أنا، قال فمن ربك؟ قال نمرود، قال فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال اسكت، ولما جن عليه الليل دنا من باب السرب، فنظر فى خلال الصخرة فأبصر كوكبا ثم قال هذا ربى، ويقال إنه قال لأبويه أخرجانى فأخرجاه من السرب حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل عنها أباه قال إبل وخيل وغنم، فقال لا بد أن يكون لها إله وهو ربها وخالقها، ثم نظر فإذا المشترى قد طلع وقيل الزهرة والليلة من آخر الشهر، فتأخر طلوع القمر فأقوله غيبوبته بضوء الشمس فى هذا. ونمرود مر حين قيل له إنه قد ولد كان يشدد فى طلبه مدة قعوده فى الغار، وما بعد ذلك حتى جاء يخاطبه الناس بالحق، وكان لكبره كما مر أنه يكبر فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، سقط طمع الذباحين الذين أمرهم نمرود بالذبح، وأظهر آزر لأصحابه أن له ابنا كبيرا وأراهم إياه. { فلما أفل } غاب قيل يختص لفظ الأفول بالنيرات، وقيل عام { قال لا أحب الآفلين } أن أتخذهم آلهة، فحذف بدل الاشتمال لجواز حذفه أو لا أحب ربوبية الآفلين لعدم صحتها، فحذف المضاف، أو يقدر مضاف ناصب لمفعولين، أى لا أحب اتخاذ الآفلين آلهة كما قال { أتتخذ أصناما آلهة } ويجوز أن لا يقدر شئ فيكون المعنى لا أرغب فى الآفلين، فضلا عن أن أعبدهم، ولا يلزم من عدم حب الشئ بغضه، فلا يلزم أن يبغض النجم.

وإنما جمع الله لفظ آفل جمع مذكر سالما مع أن جنس هذا الكوكب غير عاقل، لأنه لم يرد هذا الكوكب وجنسه، بل أراده وأباه وأمه ونمرود وهم عقلاء، فغلب العقلاء، ويحتمل أن يكون جمع جنس النجم وأريد النجوم وحدها تنزيلا لها منزلة العقلاء ، لأنهم يعيدونها ويعظمونها، وكانوا أصحاب علم النجم، ونظر فى الأفلاك، ولذلك مثل لهم بالنجم والقمر والشمس، فيظهر لهم بطلان ربوبيتها، وعلل بطلان ربوبيتها بالأفول من حيث إن التطبيق بالمشتق يؤذن بالعلية، لأن الآفل يزول أثره وسلطانه عما غاب عنه، فلا يصلح إلها، ولأن الأفول انتقال، والمنتقل يكون محلا للحوادث، فلا يكون لها، ومحل الحوادث حادث، والحادث يحتاج لمحدث، والمتسلسل يستحيل عقلا وأيضا المتحرك جسم، والجسم مركب محتاج إلى حيز والمركب مصنوع محدث، والمحدث لا يكون ربا، والجسم محتاج إلى حيز، والمحتاج لا يكون ربا، وقد احتاج أيضا فى ظهور نوره وسلطانه الذى يدعونه له إلى زوال ما ستره حين غاب من جبل أو بحر أو أرض.

[6.77]

{ فلما رأى القمر بازغا } طالعا طرفه أو طالعا كله، كما انفصل عن جسم طلع من جهته مبتدئا فى الطلوع { قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين } عن الحق فاتخذوا القمر ربا، مع أنه أفل فالعلة فى انتفائه عليه السلام من ربوبية القمر هى أفوله على حد ما مر فى الكوكب كله، وتعرض بهم أنهم مخذولون إذ اتخذوه ربا، وأنه إن لم يهده الله كان مثلهم فى الضلال، وأنه عاجز عن الهدى إلا بتوفيق الله، وأيضا تعدد الآلهة مستحيل عقلا كما استحال شرعا، وكذا الكلام فى الشمس، والقوم الضالون قوم أبيه، وضع الظاهر موضع المضمر يسميهم باسم الضلال أو كل من ضل.

[6.78]

{ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى } ذكر بلغته عليه السلام أن هذا الشئ المنير الطالع ربى، وإذا ذكره عنه الله تعالى مذكرا مع أن الشمس مؤنث، لأن المؤنث المجازى يؤنث فى الإشارة، أو ذكره الله تعالى لتذكير الخبر، والمراد أن هذا الطالع ربى، وأن هذا الكوكب ربى، فإن الشمس كوكب يزول به الليل، واختير أن يقال ذلك صيانة عن التأنيث فى حق الله، كما يقال الله علام الغيوب، ولا يقال علامة مع أن علامة أبلغ لصورة تاء التأنيث، ولو كان يستعمل فيما ذكره. { هذا أكبر } من الوكب والقمر، فإن كان فى الكواكب شئ من الآلهة فهو الشمس، وذلك منه مجاراة للخصم حتى يعثر وقد عثروا، وافتضحوا بقوله الذى ذكره الله عنه جل وعلا وهو قوله { ولما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون } مما تشركونه بالله تعالى من مخلوقاته، أو برئ من إشراككم، وإنما احتج فى الشمس بالأفول على أنها ليست ربا لا بالبزوغ، مع أن البزوغ أيضا انتقال وتحرك لزيادة دلالة الأفول على دلالة البزوغ، بأن الأفول احتجاب، والمحتجب لا يكون ربا لزوال حكمه عن مربوبه إذا احتجب، والبزوغ ولو دل على الاحتجاب لكن مشاهدة الاحتجاب بعد الظهور وهو الأفول أعظم دلالة من احتجاب المنزه عن البزوغ، ولأن فى الأفول انتقالا من القوة إلى الضعف، بخلاف البزوغ، وأيضا بينما هو فى النظر والتفكر وقع بصره على كوكب مضئ بعيد، ولما رآه انتقل إلى الأفول من الحضور علم أنه غير إله لانتقاله من القوة إلى الضعف. ثم طلع القمر فى أثناء تقرير هذا الدليل، فأعاد ذلك الكلام، وكذا الشمس وأفول النجم والقمر حقيق كأفول الشمس، والمتحقق فى مجلس المناظرة هو الأفول دون البزوغ فاحتج به، ولو صلح البزوغ للاستدلال، وقيل سهر الليل كله، فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار ضوئها، أو دنا من مغربه فسمى ذلك أفولا لقربه من الأفول التام على تجوز فى التسمية، وهذا الترتيب يستقيم فى الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين، ولو قدرنا هذا الترتيب بغيوب القمر فى مغربه لم يغب إلا بعد طلوع الشمس، ولما بطل أن تكون الأشياء المذكورة آلهة لم يبق أن يكون إلها إلا الله فقال

[6.79]

{ إنى وجهت وجهى } الذى فى رأسى هذا لفظه، ومراده أخلصت عبادتى، أو وجهت قصدى { للذى فطر السماوات والأرض } بدعهما { حنيفا } حالا من تاء وجهت، أى مائلا عن عبادة غيره إليه سبحانه وتعالى أميل مائلا عن استقبال غير الكعبة فى الصلاة إلى استقبالها { وما أنا من المشركين } به شيئا.

Unknown page