958

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[6.44]

{ فلما نسوا ما ذكروا به } أى تركوا ما وعظوا به، أو تركوا العمل بما أمرتهم الرسل بالعمل به كذا قيل، والمناسب لما قبله أن يكون ما ذكروا به البأساء والضراء، والنسيان قيل حقيقة فى الترك ولو عمدا، وفى الذهاب عن الحافظة، وقيل حقيقة فيه مجاز فى الترك عمدا بأن شبه الترك عمدا بالترك نسيانا مبالغة، لأن الزائل عن الحافظة ليس فى الحافظة. { فتحنا } وقرأ ابن عامر بالتشديد فى جميع القرآن، فوافقه يعقوب فى غير هذا، والذى فى الأعراف { عليهم أبواب كل شئ } من النعم أى مخارج النعم مثل أن يثمر لهم الأرض والشجر، وينمى لهم الضرع والبطن امتحانا بالرخاء بعد الامتحان بالشدة، واستدراجا، وقال عليهم للكثرة إذ غمرهم فى الخيرات، وغلب عليهم، وقيل بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة فى الرزق، ومكان الضراء الصحة والسلامة، أخذهم وألا بالمكروه ليتضرعوا، وثانيا بالمحبوب ليشكروا ولم يفعلوا، وذلك إلزام للحجة، وإزاحة للعذر، وهو متضمن للمكر بهم، قال صلى الله عليه وسلم

" مكر بالقوم ورب الكعبة "

قال عقبة بن عامر إن النبى صلى الله عليه وسلم قال

" إذا رأيت الله تعالى يعطى العباد ما يشاءون على معاصيهم فذلك استدراج، ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به "

الآية. { حتى إذا فرحوا } فرح بطر واشتمال عن الشكر بالمعاصى { بما أوتوا أخذناهم } استأصلناهم إلينا { بغتة } فجأة { فإذا هم مبلسون } منقطعون عن الرجاء، قال بعض السلف قلما أخذ الله قوما قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم، أغفل مما يكونون فيجيئهم أعظم إياس عند أعظم أمن، قال الحسن ومن وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأى له، ومن فتر فلم ير أنه ينظر إليه فلا رأى له، ثم قرأ عليه الآية، وقال الزجاج المبلس الشديد الحزن والحسرة وقيل المطرق برأسه من الحزن.

[6.45]

{ فقطع دابر القوم الذين ظلموا } آخرهم وذلك أن قطع آخر الشئ كناية عن قطعه كله، حتى وصل القطع آخره، أى قطعوا كلهم، وهو مأخوذ من قولهم دبر القوم يدبرهم أى تبعهم، فقد يقال المعنى قطعت أتباعهم كأولادهم وعبيدهم ونسائهم، فإن قطع هؤلاء ونحوهم كأجزائهم، يؤخذ منه قطعهم، فالمراد قطعهم كلهم، وقال الأصمعى الدابر الأصل أى فقطع أصلهم، أى قطعوا فلا يكونوا أصلا لغيرهم بعدهم، لأنهم ماتوا كلهم، أى قطع أن يكونوا أصلا لغيرهم، أو قطع صلهم كناية عن إهلاكهم، فإن ما قطع أسفله المبنى عليه يفسد كقطع أصل النخلة والجدار. { والحمد لله رب العالمين } أثنى الله تعالى على نفسه بقطع دابرهم، وإزاحة الناس من شرهم، وإظهار حجة الرسل، وفيه تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، الحمد على قطع دابر المشركين إذا قطع الله دابر المشركين .

[6.46]

{ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } الاستفهام للتوبيخ أو تعجيب، ومفعول أرأيتم جملة من إله غير الله يأتيكم به، أى أخبرونى من إله غير الله يأتيكم به، أو أعلمتم من إله غير الله يأتيكم به، لا تعلمونه لعدمه، والتعليق بالاستفهام فى الوجهين، والاستفهام فى من إله للإنكار أو المفعول الأول محذوف، أى أرأيتم وأبصاركم وجملة من إله غير الله مفعول ثان، والرابط هاء به لرجوعه إلى الأسماع وللأبصار بالتأويل كما يأتى، ومعنى أخذ السمع الإصمام، وأخذ الأبصار الإعماء، والختم على القلوب منعها عن الفهم لما يفهم الناس، فيكونون كالمجانين أو البهائم. ومن مبتدأ، وإله خبر أو بالعكس، وغير نعت إله ويأتيكم نعت ثان، وهاء به عائدة إلى حالهم سابق قبل الأخذ والختم، أى يأتيكم بما كنتم عليه من السمع والبصر والفهم، وهذا كما يشار إلى غير الواحد بإشارة الواحد بتأويل ما ذكر، أى يأتيكم بذلك، وضعف أن يكون الضمير لها أخذ ولما ختم، ولو قيل به على أن يكون الآخر ما لحقنا به. { انظر كيف نصرف الآيات } دلائل التوحيد والنبوة النقليات والعقليات، ومعنى تصريفها تكريرها تارة من جهة المقدمة العقلية، أعنى ما يكون حجة فى العقل، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بما جرى على الأمم، وجملة نصرف مفعول لا نظر معلق هو عنها بكيف، وكيف حال من المستتر فى نصرف { ثم هم يصدفون } يعرضون عنها، وثم لبعد الإعراض بعد تصريف الآية، فإنه يبعد عقلا كما يبعد الجسم عن الجسم حسا.

Unknown page