906

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[5.82]

{ لتجدن أشد الناس عداوة } تمييز لقوله أشد { للذين آمنوا } نعت لعداوة أو متعلق به. { اليهود } مفعول ثان. { والذين أشركوا } عطف على اليهود، قرن الله جل وعلا اليهود بالمشركين فى شدة عداوة المؤمنين، كأنه لم يكن لهم كتاب من الله لتوغلهم فى الكفر، واتباع الهوى، وتكذيب الأنبياء، وقتلهم وتشبثهم بالقليل، ومن ديانتهم وجود ايصال الشر الى من استحل السبت أو خالف دينهم بأى وجه يصلون اليه كالقتل، وأخذ المال، والمكر والذم باللسان، وفيهم الحرص الشديد على الدنيا والرياسة. { ولتجدن أقربهم مودة } تمييز أقرب. { للذين آمنوا } متعلق بمودة أو نعته. { الذين قالوا إنا نصارى } مفعول ثان لتجدن، وصف الله النصارى بلين العريكة، ورقة القلوب، والقرب الى قول الحق، وذلك أمر ظاهر الى الآن، والافرنجى أعنى الفرنسيس وفى الانجليز والحبشة، وانما زادوا تمردا وشرا لميل أهل التوحيد الى المال، والفسوق والراحة والجور، وكم افرنجى يقول لو وجدنا من يجرى بنا على دين محمد بالحقيقة لدخلنا فى دينه، وبعض يقول لو وجدنا سلطانا يقوم به لأسلمنا، وليس فيهم حرص اليهود، ولا من شأنهم الغش والخديعة فى المعاملة، بالمال ولا استحلال من يستحل الأخذ، وليس فيهم كبر اليهود، وليسوا كلهم كذلك بل ذلك كثير فيهم. وذلك لا كلية. وأشد النصارى استبانيون، وكانوا أشد قبل أن يعلموا ما فى القرآن، وكانوا يرون أن فيه حقا عليهم واجحافا ولما علموا ما فيه زال بعض ذلك، ومعظم النصارى فى عداوة المؤمنين كاليهود، وقال بعض علماء مصر بل أعظم عداوة، فاما أن تكون الآية كلا كما رأيت، واما أن يراد من آمن، واما أن يكون الذين نرى العداوة ليسوا نصارى حقيقة، بل متنصرة من الأعاجم أو من العرب المتنصرة على عهد عمر وقبله، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل ان جبلة بن الأيهم الغسانى لما غلب المسلمون على عهد عمر رضى الله عنه الروم من أرض الشام، انتقل الى جزيرة فى البحر، وبنى بها الافرنج من نسله، وهو من غسان قبيلة من العرب، ومع ذلك فكفر النصارى أعظم وأقبح لأنهم ينازعون فى الألوهية، وضررهم على أهل التوحيد أعظم. وقيل ان النصارى أهل خشية وانقطاع الى الله سبحانه، وان لم يكونوا على هدى فهم يميلون الى أهل العبادة والخشية، وليس فى اليهود ما فيهم من تواضع وانقطاع عن الدنيا، بل يعظمونها ويتطاولون، ولا ترى فيهم زاهدا، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأما النصارى فهم يعظمون من أهل الاسلام أن يستشعروا منهم حجة الدين، ويهينون من فهموا منه الفسق، واذا حاربوا فانما يحاربون أنفة وليسوا يحاربونه ديانة، واذا سالموا فسلمهم صاف، ولم يصفهم الله تعالى بأنهم أهل ود، بل وصفهم بقربهم للمودة، وليس فى خصالهم ما فى اليهود من الغش.

وما فيهم خير الا من آمن فقد قيل ان الآية فى النجاشى صاحب الحبشة، لما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله سبحانه، ثم من عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم، قال لهم

" لو خرجتم الى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه "

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحابه صلى الله عليه وسلم الى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا بدينهم الى الله عز وجل، فكانت أول هجرة كانت فى الاسلام، فأول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابعوا فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا، وقيل اثنان وثمانون، والشك فى عمار ان كان فيهم وكان فيهم جعفر بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف. قالت أم سلمة لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا فيها خير جار النجاشى، آمنا على ديننا، وعبدنا الله سبحانه لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشى فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتى منها الآدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا بطريقا من بطارقته الا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة، وعمرو بن العاص، ومعهما عمارة بن الوليد، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهم ادفعوا لكل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما الى النجاشى هدايانا اليه، ثم اسألاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم. فخرجا الى النجاشى قالت فقدما على النجاشى ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق الا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما النجاشى، وقالا لكل بطريق انه قدم لبلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا الى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم اليهم، فاذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم الينا ولا يكلمهم، فان قومهم أعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهم نعم، ثم انهم قربوا هدياهم الى النجاشى فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له أيها الملك انه قد صوى الى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليكم فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم.

قالت فقالت بطارقتهم حوله صدقا أيها الملك قومهم أعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم اليهما ليرداهم الى بلادهم وقومهم. قال فغضب النجاشى ثم قال لا والله اذن لا أسلمهم اليهما، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان فى أمرهم، ثم أرسل الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم. فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل اذا جئتموه؟ قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا فى ذلك ما هو كائن فجاءوا وقد دعى النجاشى أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم فقال لهم ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى ولا دين أحد من هذه الملل؟ قالت فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا الى الله سبحانه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدد عليه أمور الاسلام وصدقناه وآمنا به على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا الى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا بين ديننا، خرجنا الى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت فقال له النجاشى هل معك مما جاء به عن الله من شىء؟ فقال له جعفر نعم0 فقال له النجاشى فاقرأه على فقرأ عليه سطرا من

كهيعص

وقيل قال النجاشى هل فى كتابكم ذكر مريم؟ فقال جعفر فى سورة تنسب اليها فقرأ له

كهيعص

الى قوله تعالى

Unknown page