897

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء

، وعاب الله عليهم ولم يذكر معاداة الموحدين من هذه الأمة بعض لبعض، لاختلاف فرقهم، لأنه وجدت فرقهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء المتعادون المختلفون من اليهود والنصارى كان افتراقهم موجودا فى زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم تجترىء فرقة أن تقول من أهل القبلة فلان إله أو ابن الله، ومن أثبت ما هو شرك فما وجوده الا كوجود اليهود والنصارى، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم

" لتتبعن سنة من قبلكم "

فمن سننهم التفرق، وقد افترقت الأمة أكثر مما افترقوا، وصح الحديث أنها كلها هالكة الا واحدة ولم يصح عسكه. { كلما أوقدوا نارا للحرب } لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللحرب متعلق بأوقدوا، والمحذوف نعت لنار، أو ايقاد النار كناية عن اثارة الشر هكذا، أى ما هو مكروه طبعا، ثم بين أنهم يثيرونها للحرب، حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتكرر قوله للحرب مع { أوقدوا نارا }.

{ أطفأها الله } أبطل فتنتهم التى يثيرونها بايقاع التنازع بينهم فيفشلون، كما تبطل النار بالماء، والظاهر أن قوله { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } استعارة مركبة شبه مجموع قصدهم لاثارة الشر، واثارته وقصد المضرة به مع ابطال الله ذلك بالقصد الى النار بالقلب، والى ايقادها بالجوارح، وقصد الحراق بها، ثم ابطالها بنحو الماء، وكل ظرف زمان متعلق بأطفأها، وما مصدرية، والمصدر ناب عن الزمان، فتحصلت لكل الظرفية باضافتها اليه. وقيل المراد بالحرب كل حرب أرادوها فانهم من حين خالفوا التوراة لم ينصروا، أفسدوا فسلط الله عليهم بخت نصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومى، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين، وهم فى حكم المجوس حين سلط الله المسلمين عليهم، قال قتادة لا تجدهم فى بلد الا أذل الناس، وما تقدم من أن الحرب حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قول الحسن ومجاهد. { ويسعون فى الأرض فسادا } يجتهدون فى المكر واثارة الحروب والفتن، وفى كل ما يبطلون به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. { والله لا يحب المفسدين } فيعاقبهم اليهود، لأنهم من جملة المفسدين المستوجبين للعقاب.

[5.65]

{ ولو أن أهل الكتاب آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. { واتقوا } تلك المعاصى التى ذكرها الله عز وجل عنهم وغيرها. { لكفرنا عنهم سيئاتهم } الكبائر والصغائر محوناها عنهم، ولم نعاقبهم بها. { ولأدخلناهم جنات النعيم } دلت الآية أن أهل الكتاب مشركون اذ كان يكفر عنهم سيئاتهم بالايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما هم عيه، ودلت أن الاسلام يجب ما قبله، وأن أهل الكتاب لو عملوا ما عملوا من الصالحات، لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مبعوث الى الناس كلهم، كما قال الله تعالى

ليكون للعالمين نذيرا

وقيل المراد بأهل الكتاب من كان منهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المراد آمنوا بالله وبكتبهم ورسلهم، وبما فى كتبهم من رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه، وانما بشرط التقوى، لأنه من آمن وفى قلبه أن يصر على المعاصى التى كان يفعلها فى الشرك، لم يدخل الجنة، ولم تكفر سيئاته، ومن آمن وفى قلبه أن ينقطع عن ذلك فله الجنة، ولو مات قبل أن يعمل عملا صالحا بأن مات قبل أن يجىء وقت الفرض، وان ترك فرضا، أو بعد ذنب وأصر عليه هلك. روى أن الحسن البصرى اجتمع فى جنازة مع الفرزدق وهو من الشعراء، فقال له الحسن ما أعددت لهذا اليوم، أو قال لهذا المقام، فقال شهادة أن لا إله إلا الله، وكذا وكذا سنة يظن أن كلمة الشهادة تغنى وحدها، فقال له الحسن البصرى هذا العمود وأين الاطباب، أى لا ينتفع بها وحدها من دون باقى الاسلام، كما لا ينتفع بعمود الخيمة دون اطنابها، وقد صدق.

[5.66]

Unknown page