Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
يعنى لا تحل الحربيات، وهذا مذهبنا، وزعم بعض غيرنا أنهن يحللن، قيل تزوج عثمان بن عفان فاطمة بنت الفرافصة وهى نصرانية، وتزوج طلحة ابن عبيد الله يهودية. والكتاب جنس الكتاب، فصدق بالتوراة والانجيل، ومن قبلكم متعلق بأوتوا، وذلك أنا أوتينا القرآن من بعدهم والحمد لله. { إذا آتيتموهن أجورهن } ، مهورهن أى اذا لم تتزوجوا على أن لا أجور لهن، بل ذكرتم وأحضرتم أو عاجلتم أو أجلتم أو عفلتم أو سكنتم على أنه ذكر لكم، أو طولبتم أعطيتم، ومن يتزوج على أن لا أجر حرمت ان مسها على الأصح. { محصنين } بهن. { غير مسافحين } لهن حالان من ضمير الرفع فى آتيتموهن، أو غير حال من المستتر فى محصنين، ومعنى محصنين مريدين احصان أنفسهم عن الزنى، ومعنى غير مسافحين غير مريدين الزنى. { ولا متخذى أخدان } وصف مضاف للمفعول الثانى بعد حذف الأول، أى ولا متخذينهن أخدانا أى صواحب لهم لأجل الزنى، وليست هذه الأحوال الثلاثة مؤكدات لعاملهن وهو الفعل من قوله { آتيتموهن } لأن الله جل وعلا ساق لفظ الآية على الألفاظ اللغوية المطلقة، بل بمنزلة قولك وأحل لكم وطء المحصنات اذا آتيتموهن أجورهن بوطئهن محصنين أنفسهم بوطئهن، غير مريديدن الزنى بهن، ولا متخذينهن أخدانا، والوطء يصدق بالوطء الحلال والحرام، فما تم فهم النكاح الحلال الشرعى حتى قيل { ولا متخذى أخدان } على أن المراد بمسافحين زانون جهرا، وبمتخذى أخدان الزنى سرا، فبقى الزنى سرا غير مذكور حتى يقال { ولا متخذى أخدان }. والاحصان ولو كان عن الزنى كما مر لكن باعتبار الحقيقة، وأما باعتبار مجرد اللفظ فيفسر بمجرد الاحصان عن وطء غيرهن مما ليس له زوجا، ولا سرية.
والسفاح فعال، والمراد به معنى المجرد لا المفاعلة، أى غير زانين بهن، أو المفاعلة لأنه اذا زنى بها برضا فقد زنى كل بالآخر، ومتخذى جمع مذكر سالم مضاف، وكان أهل الجاهلية يعيرون من يزنى جهرا لا من يزنى سرا. { ومن يكفر بالإيمان } أى بما يجب الايمان به، فالايمان مصدر بمعنى المفعول، أى المؤمن به بفتح الميم الثانية، أو يبقى على أصله أى بأمر الايمان. { فقد حبط عمله } ذهب أجر عمله. { وهو فى الأخرة من الخاسرين } الجملة معطوفة على الجواب لكن الأولى فعلية، وقد مقربة للاسمية أو حال والمعنى يخسر حظه من الجنة، ويتحصل بحظه فى النار، وسواء فى ذلك من لم يسلم قط فانه لا ثواب لأعماله التى عمل فى شركة أن مات مشركا أو أسلم ثم ارتد فانه قد بطل ما عمل قبل الردة، وفى الآخرة متعلق بمحذوف جوازا أى وهو خاسر فى الآخرة، والخبر هو المحذوف لم ينب عنه الجار والمجور { من الخاسرين } متعلق بمحذوف وجوبا خبر ناب عنه الجار والمجرور أى ثابت من جملة الخاسرين، ولا يتعلق بخاسرين بعده الا على قول من لا يجعل أل فى الوصف الصريح موصولة، أو قول من زعم أنه يجوز تقديم معمول الصلة الظرفى. قال بعضهم لما نزل تحليل نساء أهل الكتاب، قال بعض الصحابة كيف نتزوج نساء من غير أهل ديننا؟ فزجرهم الله عن هذا القول باخباره بأن من أنكر من أمر الدين شيئا فقد حبط عمله، وهو فى الآخرة من الخاسرين، وقيل لما أباح الله نكاح الكتابيات قلن فيما بينهن لولا أن الله قد رضى أعمالنا لم يبح للمؤمن تزوجنا، فأنزل الله هذه الآية بمعنى أنه لا ثواب لهن فى الآخرة لكفرهن بالله ورسله والقرآن، ولو حل تزوجهن، وقيل ان أهل الكتاب ولو حصل لهم فى الدنيا فضيلة اباحة ذبائحهم ونسائهم، وحرمة دمائهم وما لهم وأولادهم بالجزية، لكن لا خير لهم عند الله لكفرهم، والمذكور فى الآية الذبائح والنساء، وذكرت تحريم الدماء وما بعدها اذ هذا التحريم سبب لذبائحهم ونكاح نسائهم، اذا لو هيجوا بالقتل ، وأخذ المال والولد لم تبق مساكنة حتى تتزوج نساؤهم وجملة هو من الخاسرين كالتوليد لقوله { فقد حبط عمله }.
[5.6]
{ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } اذا أردتم القيام الى الصلاة، فذكر المسبب وهو القيام الى الصلاة، وأريد السبب وهو ارادة القيام اليها، وفائدة ذلك أنه أوجز لفظا وأدعى للمسارعة الى الخير بحيث انه لا ينفك المراد عن الارادة ولا تراخى بينهما، كل ما أراد الصلاة فكأنك قائم اليها، مستقبل لشدة المسارعة، ولولا ذلك التأويل لكان المعنى أن الوضوء بعد الوقوف للصلاة، والاستقبال للقبلة، ثم أنه ليس كلما أردنا القيام الى الصلاة لزمنا الوضوء، بل ان كنا على غير وضوء، أى اذا أردتم القيام الى الصلاة ولستم على وضوء، ويدل لهذا ذكر الحدث فى التيمم، والتيمم بدل الوضوء وغسل الجنابة، وكونه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح، فقال عمر رضى الله عنه صنعت شيئا لم تكن تصنعه، فقال عمدا فعلته يا عمر، يعنى بيانا للجواز. وكان يتوضأ قبل ذلك لكل صلاة ويقول
" الوضوء على الوضوء نور على نور "
وكان يقول
" من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات "
وقيل الأمر فى الآية للندب، وأن الآية فيمن هو على الوضوء، ويفاد وجوب الوضوء على من ليس على الوضوء من غير هذه الآية، وأيضا يفاد من هذه الآية، لأنه اذا ندب اليه من ليس على حدث فأحرى أن يجب على ذى حدث، وأما أن يقال للندب فيمن هو على وضوء، وللوجوب فيمن ليس عليه، ما يستعمل للكلمة فى حقيقتها ومجازها، أو فى معنييها، وقيل كان أولا الوضوء واجبا لكل صلاة، ولو لم يكن حدث فانه ينتقض بدخول وقت الصلاة الثانية، ثم نسخ بأنه يكفى حتى يحدث وهو ضعيف، لقوله صلى الله عليه وسلم
" المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها "
يعنى فلم تنسخ الآية بآية ولا بسنة. وذكرت فى الشامل كلاما من هذا الفن، والصحيح ما ذكرته أولا من أن الآية فى المحدث، وأن القيام بمعنى ارادة القيام، ويقرب منه ما قيل ان المعنى اذا قمتم من النوم الى الصلاة وهو حسن أفاد أن النوم ناقض، ولا يؤول القيام فى هذا القول بارادة القيام، وهو قول زيد بن أسلم، والأول للجمهور، وكلاهما سالمان من النسخ، ومن استعمال الكلمة فى مجازها وحقيقتها أو فى معنييها، وقال صلى الله عليه وسلم
Unknown page