Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
وللمعاون لأحد على الخير أو ترك الشر ثواب فعل الخير، أو ترك الشر من غير أن ينقص للفاعل أو التارك أن فعل، وله أيضا ذلك، ولو لم يفعل. وفى الحديث
" من سعى فى حاجة أخيه المسلم قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق "
وعنه صلى الله عليه وسلم
" الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه ".
{ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } أى لا تتعاونوا، فحذفت احدى التاءين، على الاثم المعصية، والعدوان التعدى فى حقوق الخلق، وعبارة بعض فى حدود الله، والأظهر ما ذكرت، نهانا الله أن نتعاون على الاثم والعدوان للتشفى والانتقام. { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } فانتقامه أشد لمن لم يتقه بفعل الواجب وترك الحرام.
[5.3]
{ حرمت عليكم الميتة } هى ما خرجت روحه بلا ذكاة شرعية، وله دم أصل وهو برى، ومن الذكاة الصيد اذا مات الحيوان به بمحدد أو معلم، وان عاش فى البر والبحر لم يحل أكله الا بذكاة، وأجاز بعض قومنا أكل الضفدع بالذبح، وبعض بلا ذبح يراه من الصيد بمعيشه فى الماء، واستثنت السنة الجراد والسمك من بعض الميتة لغة، وأما فى التعريف فقد خرجا منها، وقد يحرم ما لا دم له لخبثه ولو لم يكن نجسا كالعقرب وللسم. والمراد بتحريم الميتة تحريم أكلها وبيعها وشرائها وثمنها وكل انتفاع بها ولو استصباحا أو دهنا لما لا يشرط له الطهارة أو غسلا، ورخص بعض فى أكل ما نبت على الميتة ان وصلت عروقه الأرض. قال الخازن وسبب تحريم الميتة أن الدم لطيف جدا، فاذا مات الحيوان حتف أنفه احبس ذلك الدم وبقى فى العروق فيفسد ويحصل منه ضرر عظيم. { والدم } المسفوح، وحل بالسنة الكبد والطحال، بينت السنة أنهما دمان، وانهما حلال، وحل علقات القلب، وقيل لا، وكذا دمه، وحل دم السمك على الصحيح الحق، وقيل ليس ذلك دما لأنه يكون أبيض اذا يبس، وكان أهل الجاهلية يصبون دم ما ذبحوا أو نحروا ويفصدونه أيضا من نحو ناقة حية، ويجعلونه فيها، ويشوونه فنهى الله عن ذلك، وكانوا يقولون ما حرم من فزد له أى فصد له. { ولحم الخنزير } وسائر أجزائه كلها، وخص اللحم بالذكر لأنه المقصود جدا، وحرم لئلا يتأثر أكله بحرص الخنزير، والرغبة فى المشتهيات، وعدم الغيرة، فانه يرى خنزيرا ينزو على الشاة ولا تصيبه الغيرة، كما تصيب الكبش والتيس. { وما أهل لغير الله به } أى وما رفع الصوت عليه عند ذكاته لغير الله، كقولهم عندها باسم اللات والعزى، والباء بمعنى على، وبه نائب الفاعل، أو الهاء وحدها، وفى السؤالات نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الجن، وذلك اذا لم يذكر اسم الله عليها انتهى، فما ذبح للجن وذكر اسم الله عليه أكل، وان لم يذكر لم يؤكل، وان ذبح للصنم وذكر اسم الله أكل، وان ذكر اسم الصنم وحده أو مع اسم الله لم تؤكل. { والمنخنقة } يخنقونها فتختنق، أو تخنق نفسها بالحبل الذى هو كحلقة فى عنقها فتختنق، وكان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فتموت فيأكلونها، فحرم الله ذلك، وذلك أنها ماتت بلا سيلان دم، وليس ذكرها بعد ذكر الميتة تخصيصا بعد عموم، لأن الميتة فى عرف العرب غير ما مات بالاختناق. والخنق عندهم قتل كالذكاة، والظاهر أن التاء فى البهيمة والميتة للقتل من الوصفية الى الاسمية لتناسى الوصفية، وفى المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة للتأنيث، لتبادر بقاء الوصيفة بالدلالة على الحدث، ويقرب لهذا أيضا لفظ ميتة كأنه قيل البهيمة المنخقة، والبهيمة الموقوذة، والبهيمة المتردية، والبهيمة النطيحة، وقيل التاء فيهن للنقل من الوصفية الى الاسمية.
{ والموقوذة } أى المضروبة حتى ماتت اما بالخشبة أو الحجر أو غير ذلك، ويلتحق به ما فى معنى ذلك مثل أن تضرب للأرض ولو بعد الذبح، وكان الجاهلية يضربونها بالعصى حتى تموت فيأكلونها، فنهى الله عن ذلك، يقال وقدته أى ضربته. { والمتردية } الواقعة من مكان عال كالساقطة فى بئر أو من جبل أو سطح أو نحو ذلك، ويلتحق به ما رمى من صيد فوقع من عال، أو نحر أو ذبح فوقع، أو رمى طائر فوقع غير ناشر جناحيه لعل فيه بقية حياة زالت بالضرب على الأرض اذ جاء متماسك، وكذا ان ذبح فطار فوقع كذلك. { والنطيحة } المنطوحة حتى ماتت، وهذا تشمل الشاة والبقرة، وانما قدرت البهيمة فى الأربعة ليعم اللفظ ما يصلح له، وهذا أولى من أن يقدر فيهن الشاة، ولو كانت أكثر ما يؤكل، وقدر بعضهم الشاة لأنها أكثر، وكانوا فى الجاهلية يأكلون ما مات بالنطح، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقرأ عبد الله بن مسعود والمنطوحة. { وما أكل السبع } كذئب وأسد ونمر، والرابط محذوف، أى وما أكله السبع، فيقدر مضاف، أى وما أكل السبع بعضه، وهذا أولى من تقدير وما أكل منه السبع، لعدم وجود شرط حذف الرابط المجرور بالحرف، وقيل بجواز حذف الرابط المجرور بالحرف اذا دل عليه دليل مطلقا، ثم رأيت بعض المتأخرين ذكر بعض ذلك، وذلك انما أكله السبع كله لم يبق فيه أن يقال انه محرم عليكم، ولم يصح استثناء ما أدركت ذكاته، وقرأ أبو عمر باسكان الباء، وابن عباس وأكيل السبع. { إلا ما ذكيتم } بذبح أو نحر مما أهل به لغير الله، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع أن أدركت حياته، فلو أدركت وقد أكل السبع موضع الذبح أو النحر لم تحل، فكذا لو أكل المكلب موضع الذبح والنحر لم تحل، وان أكل غيرهما فلا تحل الا ان أدركت حياتها وذكيت، وذلك مثل ما أكل السبع. وعن على، وابن عباس، والحسن، وقتادة الاستثناء راجع الى المنخنقة والموقوذة والمتردية النطيحة وما أكل السبع. وقال الكلبى الاستثناء مما أكل السبع. قال ابن عباس اذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها، أو تحركت بذنبها، أو أذنها فاذبح فهو حلال. وقال مالك فى أحد قوليه، والزجاج، وابن الأنبارى اذا لم تدرك الا حياة قليلة جدا لا تضطرب معها عند الذبح، ولا تشخب معه الأوداج لم تحل، والتذكية قطع الحلق والحلقوم والودجين بمحدد غير عظم وغير نحيس. { وما ذبح على النصب } مفرد يجمع على أنصاب وقرىء بسكون الصاد، وهو الحجر المنصوب حول الكعبة، والمراد الجنس، وكانت أحجار منصوبة حولها يذبحون عليها للأصنام، ويضعون عليها اللحم، يعدون ذلك قربة.
وقيل النصب الصنم، والمراد الجنس، وعليه فعلى بمعنى اللام، أى وما ذبح للصنم، أو على أصلها أى وما ذبح مسمى على الصنم، وفيه أن قوله { وما أهل لغير الله به } يغنى عنه، الا أن يقال خص بالذكر لعظم تحريمه، وانما أهل الله به يشمل الذبح باسم الصنم، وباسم غيره، وعند الصنم وفى غير حضرته، وما ذبح على النصب، وما ذبح عنده له مذكور اسمه. وقيل النصب جمع نصاب، والنصاب ما نصب من حجر أو صنم، وقيل أيضا النصب الحجر ينصب ويعبد من دون الله، والفرق أنه يبقى كما هو، والصنم ينقش ويصور، قيل كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرا منصوبا يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وهى غير أصنام، والعطف على الميتة ويقدر فيه استثناء هكذا، ما ذبح على النصب الا ما ذكيتم، أو هو فى نية التقديم على الا ما ذكيتم فيشمله الاستثناء. وقيل ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب لا يحلان بالتذكية ولو كان حيين، لأنه قد ذبحا باسم غير الله ذبحا لا يحييان به، وأما غيرها من المنخنقة وما بعدها، فالذى فيهن شبيه بالمرض ومطلق الجرح لا يحرمن به ان أدركت حياتهن وذكين. { وأن تستقسموا بالأزلام } عطف على الميتة، أى وحرم عليكم هذا الفعل وهو الاستقسام بالأزلام، ومعناه طلب القسم والحكم، أى طلب معرفة ما قسم لها فى الجزور دون ما لم يقسم بالأزلام، وهى جمع الزلم بضم الزاى واسكان اللام وفتحها، وبفتح الزاى واللام وهو عود ينحت كالقلم، وليس فيه موضع يكتب به وهى عشرة الفذ وله سهم، والتوءم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمعلا وله سبعة، وذلك ثمانية وعشرون سهما تقسم عليها الجزور، يجمعها عشرة أنفس، والسفيح والمنيح والوغد لا سهم لهن، يجعلون السبعة الأولى والثلاثة فى خريطة، وفى كل واحد اسم من اسماء العشرة الأنفس، يأخذ الخريطة رجل ويحركها، ثم يدخل يده فيخرج اسم كل منها، فمن خرج له سهم أو سهمان أو أكثر جعله للفقراء، ولا يأكل هو منه يفتخرون بذلك، ويذمون من لا يدخل فيه، ويسمونه البرم أى البخيل، ومعنى ذلك من خرج اسمه أولا الفذ عليه سهم من الجزور، ومن خرج ثانيا فزلمه التوءم وعليه سهمان وهكذا، وان خرج زلم من الثلاثة عاد الاخراج ومضى ما أخرج. وذلك نسب بالذبائح فهو فى التفسير أولى مما اختار بعض العلماء من التفسير بالأقداح المعروفة عندهم غير الأولى، يكتب على أحدها أمرنى ربى، وعلى الآخر نهانى ربى، والثالث غفل يطلبون بها معرفة ما قسم الله لهم من فعل أو ترك اذا أرادوا معرفة ما قسم الله لهم من فعل أو ترك اذا أرادوا غزوا أو سفرا أو تجرا أو غير ذلك، ولا يكتب على الثالث شىء، يقال أرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة، ودابة غفل أى لا سمة عليها.
فان خرج الآمر فعل، أو الناهى ترك، أو الغفل أعاد حتى يخرج الآمر أو الناهى، وقيل ذلك فى شأن السفر. وعن الكلبى اذا كانت بينهم مماراة جعلوا لكل رجل سهما، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق، وكانوا يجعلون للسفر سهما، وللحضر سهما، ثم يقولون ربنا أيهما كان خيرا فأخرجه لفلان، فأيهما خرج رضى به. وعن مجاهد يفعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجر، وقيل كانوا اذا أرادوا سفرا أو تجرا أو نكاحا أو اختلفوا فى نسب أو أمر قتيل، أو تحمل دية أو غير ذلك من الأمور العظام جاءوا الى هبل، وكانت أعظم صنم لقريش بمكة وجاءوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم ، فان خرج أمرنى ربى فعلوا، وان خرج نهانى لم يفعلوا، وان أجالوها على النسب، فان خرج منكم كان وسطا فيهم، وان خرج من غيركم، كان خلفا فيهم، وان خرج مطلق كان على حاله، وان أجالوها على دية فان خرج قدح العقل بالقاف تحمله، وان خرج الغفل بالفاء أعيد حتى يخرج المكتوب فيه. قيل كانت الأزلام سبعة قداح صغار لا ريش لهن، تكون عند سادن لكعبة، ويشبه تلك الأمور ما تصنعه النساء فى بلادنا من أخذ نوى مثلا أو أسهم طعام أو كل ذلك، أو سهم مال، ويجعلون لكل نواة أو سهم شيئا من الخبز مثلا، مثل أن يقال من خرج له هذه النواة أو هذا السهم فله الجنة، ومن خرج له هذا أغناه الله، أو كان محقا أو لا يفعل أو يفعل وما أشبهه. فالواجب عندى اجتناب ذلك، ثم رأيت والحمد لله الثعالبى نص على ذلك فى قوله تعالى بعد
Unknown page