Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
" أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جاء وقوم فى المسجد يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال فقلت يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فقال لا. قال عمر فقمت على باب المسجد فقلت ألا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه الآية { وإذا جآءهم آمر من الأمن أو الخوف } الآية قال وأنا الذى استنبطه "
، وقرىء بسكون لام لعلمه الثانية تخفيفا من كسره. { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ببيان الشريعة بالوحى الى رسوله، فانه فضل من الله وانعام، أو فضله بالاسلام ورحمته بالقرآن. وقال الشيخ هود فضل الله ورحمته القرآن. { لاتبعتم الشيطان } فى كفره وضلاله. { إلا قليلا } منكم كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة الايادى، وان قلت قال أبو عبيدة انما كره العلماء أن يجعلوا الاستثناء من قوله { لاتبعتم الشيطان } لأنه لا وجه له، لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان كلكم. قلت بل هو صحيح، لأن المعنى لولا فضل الله عليكم ورحمته بالقرآن والرسول، بقيتم على الضلال الا ذلك القليل، فانه على هدى قبل نزول القرآن، وبإرسال الرسول. وعن ابن عباس، وابن زيد، والفراء الاستثناء من قوله أذاعوا، ورجحه الطبرى، وقال قتادة والحسن والشيخ هود وابن قتيبة والضحاك والزجاج من قوله يستنبطونه، ويجوز أن يكون قليلا مفعولا مطلقا، أو ظرف زمان أى الا اتباعا قليلا بأن يتبعوه فى بعض الأشياء فقط، أو بأن يقل زمان بقائهم على الاسلام، ثم يرتدوا فانه ان ارتدوا عن قريب كان اتباعهم قليلا، ولو اتبعوه فى كل شىء، وكذا وجه الظرفية اذا ارتدوا عن قريب كان زمان اتباعهم قليلا، ولو اتبعوه فى كل شىء فبفضل الله ورحمته لم يرتدوا، والصحيح أن الاستثناء من قوله { لاتبعتم } لقربه وفيه وجهان أحدهما ما مر من أنه لولا فضل الله بالقرآن والرسول لاتبعتم الشيطان فى الضلال لعدم بيان الشريعة، وقد كانت شريعة عيسى وما لم ينسخ من التوراة كافيين قبل الوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعذر حينئذ فى جهلهما الا قليلا، فقد كانوا على التوحيد، وما وصل اليهم منهما صافيا لم يرتب فى تفسيره. الثانى أن المعنى لولا فضل الله عليكم ورحمته بالنصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لاتبعتم الشيطان فى الكفر، وقلتم لو كان رسولا لكان منصورا الا قليلا يؤمن به، ولو لم ينصر ولكنه والحمد لله منصور.
[4.84]
{ فقاتل فى سبيل الله } يجوز أن تكون الفاء عاطفة على ليقتل فى سبيل الله، وأن تكون فى جواب شرط محذوف، أى ان تركوك وثبطوا عنك فقاتل فى سبيل الله ولو وحدك، فتنصر فان النصر بالله لا بالجنود. { لا تكلف إلا نفسك } حال من المستتر فى قاتل، أو مستأنف ونفسك مفعول ثان، والأول نائب الفاعل المستتر، وقرأ عبد الله بن عمر بالياء للمفعول كذلك، لكن بإسكان الفاء جزما بلا على أنها ناهية، والمعنى لا نكلفك بالنون على طريقة العرب فى نهيهم أنفسهم. وقرىء لا نكلف بالنون وكسر اللام، وضم الفاء، والجملة على القراءتين مستأنفة، والمعنى على كل قراءة أنك يا محمد غير مكلف بفعل أحد، بل بفعل نفسك، والنصر تابعك، فلا تهتم بقعودهم عن القتال. وروى كما مر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد أحد موسم بدر الصغرى من عام قابل، أو فى ذى القعدة، ولما بلغ الميعاد دعى الناس الى الخروج، فكره بعضهم، فأنزل الله تعالى { فقاتل فى سبيل الله } الآية فحلف ليخرجن للقاء العدو ولو وحده، ولأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى، فخرج وما خرج معه الا سبعون راكبا، والصحيح أنهم خرجوا معه وهم خمس عشرة ومائة فيهم عشرة أفراس، حتى وصلوا موضع الميعاد، ولم يلقوا أحدا، وتسامعت العرب بمجيئه، وباعوا واشتروا، ورجعوا سالمين رابحين، وعاب الله كل من تخلف، ولزم كل أحد أن يرغب فى الجهاد، ويستشعر أن يجاهد ولو وحده، كما رغب أبو بكر رضى الله عنه وقت الردة حتى قال لو خالفتنى يمينى فجاهدتها بشمالى. وقد قيل ان الخطاب فى اللفظ لرسول الله، والمعنى أمته واحدا واحدا، وكل أحد يكلف أن يجاهد بنفسه. { وحرض المؤمنين } حثهم على الجهاد بذكر الثواب والعقاب، فعليك تحريضهم فقط دون القهر ودون التعنيف. { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا } قال عكرمة وغيره عسى من الله واجبة بفضله ووعد الجميل، بمعنى أنها جزم ولا واجب على الله، بل الوجوب فى حقه بمعنى أنه لا يصح أن يوصف بخلف الوعد أو الوعيد، وقد وقع ما وعد الله به من كف بأس الذين كفروا، وهم فى الآية مشركو قريش، وبأسهم حربهم، أو مطلق ضرهم، ومنه حربهم، وقد كف الله عز وجل أبا سفيان عن موعده، فلم يأت بدرا الصغرى، وبأس الله ضره من شاء من الكفار، أو حربه بأن سمى ضره وعقابه باسم الحرب للمشاكلة، أى والله أشد مجازاة لهم على حربهم حيث ما وقع، وأنى وقع قبل وبعد، وبأس الله عقابه فى الدنيا، وعقابه فى الآخرة. { وأشد تنكيلا } تعذيبا بأنواع العذاب، وفى ذلك تهديد لمن تحلف خوفا من حرب الكفار، مع أن عذاب الواجب على من ترك المفروض أعظم من الحرب، أو رغب فى الانضمام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واتباعهم فى الجهاد، وعن الانضمام الى من يتخلف أو ينافق لقوله { من يشفع شفاعة حسنة }
[4.85]
{ من يشفع شفاعة حسنة } انضم انضمامة حسنة الى انسان منفرد ومسلم أو مظلوم، فصار به شفعا فى دفع ضر أو جلب نفع، قصدا لوجه الله، مثل أن ينصر المظلوم ويعين من هو على الحق، ومثل أن تمضى جماعة الى الجهاد شفعا كانت أو وترا فانها كشىء واحد، فرد فى التقدم، ثم يتبعها أحد فانه ثان لها فيكون شفعا لها. { يكن له نصيب منها } يكن له حظ عظيم فى الآخرة يتحصل له بشفاعته، أو يصدر منها فمن للابتداء أو السببية لا للتبعيض، فانه يكون له ثواب شفاعته كلها لا بعضها فقط، وتنكير النصيب التعظيم كما رأيت، قال صلى الله عليه وسلم
" من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك "
وفى رواية
" من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثل ذلك "
فى روايات ذكرت فى كتب الحديث، فهذا الدعاء معدود فى الشفاعة الحسنة، وفسر الشفاعة بعض به فى الآيات وبعض بالاصلاح بين الناس. { ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها } حظ عظيم منها، وما عظمه الا لعظم عذاب الآخرة، والا فلا زيادة للسيئة على مثلها، وقد قيل النصيب فيما يقل ويكثر والكفل، ولكن لا يطرد هذا، وقد تكلمت عليه فى غيره هذه الآية، ويستعمل الكفل فى الشر والخير، كما استعمل فى الشر وفى الخير فى قوله تعالى
Unknown page