Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
" احتلمت فى ليلة باردة وأنا فى غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابى الصبح وذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال لى " يا عمر وصليت بأصحابك وأنت جنب " ، فأخبرته بالذى منعنى من الإغتسال، فقلت إنى سمعت الله يقول { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا "
، فهذا تقرير منه صلى الله عليه وسلم لعمرو على ذلك، لأنه أنكره فأخبره بالسبب، وفسر الآية على ذلك ولم ينكر عليه، وقيل ليس المراد بالقتل، القتل الحسى، بل الإهلاك الأخروى بالمعصية، كأكل المال بالباطل لا بتجارة عن تراض، وكالزنى والتزوج الحرام، وقرأ على بضم التاء وفتح القاف وتشديد التاء مكسورة. { إن الله كان بكم رحيما } يا أمة محمد فما أمركم به أو نهاكم عنه ومن ذلك أنه أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم توبة، ونهاكم عن قتل أنفسكم. ولفظ الشيخ هود أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث رجلا فى سرية فأصابه كلم فأصابته جنابة، فصلى ولم يغتسل، فعاب ذلك أصحابه، فلما قدم على النبى صلى الله عليه وسلم ذكر له ذلك، فبعث إليه فجاءه فأخبره فأنزل الله { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما }.
[4.30]
{ ومن يفعل ذلك } ما سبق ذكره من قتل النفس المحرمة، وأكل المال بالباطل، وما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا المحل، فإن لفظ ذلك إشارة للبعيد، واللفظ إذا تم فقد بعد لعدم حضوره، فلم تخصص الإشارة بشىء دون شىء، وقال عطاء ورجحه ابن العربى تعود إلى البعيد التالى وهو قتل النفس، وقيل إليه وإلى الذى قبله، وهو أكل المال بالباطل، لأنهما فى آية واحدة، وقيل تعود إلى آخر ما نهى عنه، وقرن بوعيد وهو قوله تعالى
يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها
لأن كل ما نهى عنه إلى أول السورة قرن به وعمه. { عدوانا } وقرىء بكسر العين. { وظلما } حالان، أى ذى عدوان، وظلم، أو عاديا وظالما، أو منصوبان على التعليل، وفائدة التقييد بهما تخرج مال أكل بحق، ونفس قتلت بحق، لكن التقييد يكون كالتكرير بالنسبة إلى قوله
ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
بأن التقييد بالباطل مغن عن التقييد بالباطل، كأنه قيل فى حقه أكل مال الناس بالباطل حرام، ومن أكل مال الناس بالباطل دخل النار ولا بأس بهذا بل هو زيادة زجر، وقد يرجح عود الإشارة إلى قتل النفس بهذا لأنه سالم من التكرير والعدوان المبالغة فى مجاوزة الحق والظلم، وضع الشىء فى غير موضعه، وقد جمعهما من فعل ما عادت إليه الإشارة، وقيل المراد بالعدوان التعدى على غيره، وبالظلم ظلم نفسه بتعرضها العقاب. { فسوف نصليه نارا } ندخله نارا عظيمة، وقرىء نصليه بفتح الصاد وتشديد اللام، وقرىء بفتح النون وإسكان الصاد من أصلاه يصليه، يقال شاة مصليه، وقرىء يصليه بياء مضمومة وصاد ساكنه والضمير لله تعالى. { وكان ذلك } الإصلاء. { على الله يسيرا } سهلا هينا، لأنه قادر على كل شىء، ولا مانع له عنه، ولا يحتاج إلى معين.
[4.31]
{ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } وقرىء كبير بالإفراد على إرادة الجنس، والناهى لله أو رسوله، والسيئة الصغيرة، والمدخل الكريم الجنة، والمدخل إسم مكان من الثلاثى، ولا مانع من أعمال الفعل الرباعى أو غيره فى اسم مكان الثلاثى، أو إسم الزمان الثلاثى نحو أجلست إبنى مجلس الأمير أى موضع جلوس الأمير، ولا مانع من ذلك، فلا حاجة إلى ما قيل من أن عامله ثلاثى محذوف، أى وندخلكم فتدخلوا بضم الخاء، مدخلا كريما ولا إلى ما قبل إنه إسم مكان من الرباعى بحذف الزيادة بمعنى أن أصله من أدخل، حذفت همزته، فكان من دخل كما هو وجه فى { نباتا } من قوله تعالى
Unknown page