Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
" أرواح المؤمنين الشهداء طير خضر تعلق فى شجر الجنة "
، ورجح العلماء أحاديث أنها تكون طيرا، على أحاديث أنها فى أجواف الطير، أو حواصلها، وأنكر العلماء فيما قال القابسى رواية أنها فى حواصل طير، لأنها تكون مضيقة فى الحواصل وهو مشكل، لأن الحكم هنا له بخلافه هنا، كذا الجوف، ولا سيما أنه يحتمل أن فى بمعنى على، كأنه قيل على حواصلها، أو على بطنها من فوق. أى على ظهرها. وقال شبيب بن إبراهيم من الأرواح ما هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنها ما هو فى حواصل طير خضر، ومنها ما يأوى فى حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو فى أشخاص صور من صور الجنة، ومنها ما هو فى صور تخلق لهم من ثواب عملهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين، ومن وجه آخر ما يكون فى كفالة ميكائيل، ومنها ما فى كفالة آدم، ومنها ما فى كفالة إبراهيم عليه السلام، وهذا جمع بين أخبار، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ينعم الله أرواح الشهداء فى الجنة إلى يوم القيامة، فيرد الله أجسادها، فيدخل الجسد والروح فيه الجنة، واختلفوا فى أرواح الشهداء، هل تفنى بقيام الساعة؟ ثم تعود؟ قيل نعم، وقيل لا تفنى، ولا يخفى أن لكل أحد روحا يختص به فإما أن يصور روح الشهيد بصورة طير، أو يجعل فى طير وقد مر تأويل جعله فى طير، قلت وعلى صحة ظاهره بلا تأويل فما هو إلا شىء أودعه الله خيرا، وحياة الطير بروح أخرى مختصة به، والروح المودعة فيه تنعم، فلبس ذلك إثباتا لتناسخ الأرواح، وكذلك أرواح الكفار تعذب، وكذلك أرواح سائر المؤمنين تنعم، ولا سيما أن الروح جسم لطيف "
وقيل المنعم والمعذب جزء من الجسد، ترد فيه الروح، ولا مانع من أن يصور ذلك الجزء بصورة طائر، أو يودع فى الطائر، أو يجعل فى سجين ولا إشكال فى أن الروح تاكل وتشرب لأنها جسم وقد رجح بعضهم، أن الروح يرجع إلى الجسد فيأكل الجسد لقوله تعالى { يرزقون } وإن الشهيد لا يبلى فى قبره، وصاحب هذا القول يرد عليه الأحاديث الثابتة فى أن أرواحهم ترعى فى الجنة، أو فى باب الجنة.
والحديث يفسر القرآن، وزعم بعض أن معنى الحياة والرزق فى الآية أن أجسادهم ستحيى يوم القيامة ويرزقون وكأنهم أحياء الآن لتحقق الحياة بعد ودنوها، وزعم بعض أن حياتهم بالذكر والدين، كما يقال الكافر والجاهل أنه ميت والقائلان بالقولين يقولان الروح عرض، أو ريح، والحق أن أرواحهم أحياء فى الجنة، أو ببابها، وأن أجسادهم تارة يرجع إليها الروح، وتارة يخرج، وكذا المؤمنون، فهم أحياء فى قبورهم يتنعمون، إذا رجعت إليهم، وإذا لم ترجع تنعمت مجردة فى الجنة، فإن الكفار تعذب فى قبورها، فأولى أن ينعم المؤمن، فإن جانب الرحمة أرجح، قال الله عز وجل
أغرقوا فادخلوا نارا
وانظر هل تموت الروح إذا مات الجسد ثم تحيا إلى قيام الساعة، قيل نعم، وقيل تخرج من الجسد حية، فتبقى حية إلى قيام الساعة " ، وقال بعض العلماء يحيى الله أجساد الشهداء، فتصعد إلى فوق السماوات، وإلى قناديل تحت العرش، ويوصل إليها أنواع الخير، وقيل تترك فى الأرض حية ويوصل إليها النعيم، وما مر فى الأحاديث أولى، ثم أنه لا مانع أن يكون جسم مخصوص ساريا فى جسد الإنسان سريان النار فى الفحم، والدهن فى السمسم، وماء الورد فى الورد، إذا مات الإنسان انفصل عنه، وهو حى بروح الإنسان وهو نفس الروح فهو يتنعم فى الجنة أو حيث شاء الله إلى أن تقوم الساعة، فيرد الله أجزاء الإنسان، فيسرى فيها فيكون حيا فيدخل الجنة وإن أكل السبع أو غيره جسد الحى، أو تفتت على وجه الأرض، فذلك الجسم المخصوص السارى يتنعم الروح مع، أو الروح وحده، ثم يرد الله ذلك الجسد يوم القيامة، ويرد إليه الروح، والخطاب فى قوله تعالى { ولا تحسبن } لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو الكل من يصلح أن يحسن الدين، قتلوا فى سبيل الله أمواتا، والذين مفعول أول، وأمواتا مفعول ثان، وقرئ ولا يحسبن بالتحتية، والفاعل ضمير مستتر عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الحاسب، والمفعولان الذين، وأمواتا أيضا. ويجوز أن يكون الفاعل { الذين } ، والمفعول الأول محذوف، والثانى أمواتا، أى ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أنفسهم أمواتا، وإنما حذف مع أنه عمدة لدلالة المقام عليه، إذا فرضت { الذين } فاعلا، وإنما قلت عمدة لأنه فى الأصل مبتدأ. وقرأ ابن عامر بتشديد تاء { قتلوا } للمبالغة، أى كثر قتلهم، أى لا تحسبن للمقتولين، وهم كثير أمواتا والقليل والكثير فى ذلك سواء. { بل أحياء } أى بل هم أحياء، محذوف المبتدأ، وقرئ بالنصب على أنه مفعول ثان لفعل أمر فى الحساب محذوف مع مفعوله الأول، أى بل أحسبهم أحياء.
{ عند ربهم } متعلق بأحياء أو بمحذوف، حال من المستتر فى أحياء أو نعت للأحياء على القول لجواز نعت الصفة، أو خبر ثان، والأول أحياء ومبتدؤهما محذوف، أى هم أحياء عند ربهم، وعند لمكان الحضور، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول، فمعنى العندية التكريم، والتعظيم، أو الحكم، أى أحياء فى حكم الله ويجوز تعليقه بيرزقن بعده، أو بمحذوف حال من واو يرزقون، وقوله { يرزقون } خبر آخر المبتدأ المقدر قبل أحياء، أو حال من ضمير أحياء، أو نعت لأحياء، أو حال من المستتر فى { عند } إذ علقنا { عند } بمحذوف حال، أو نعت أو خبر، والمعنى يرزقون من الجنة أو فى الجنة.
[3.170]
{ فرحين بمآ آتاهم الله من فضله } بما يرزقون من ثمارها وتحفها، ومن التوفيق فى الدنيا للإسلام، والشهادة وفى وصفهم بأنهم يرزقون تأكيد لمعنى الحياة فى قوله { بل أحياء } لأنه إنما يأكل ويشرب ويتلذذ الحى. و { فرحين } حال من واو { يرزقون }. { ويستبشرون } يفرحون وهو استفعال موافق للمجرد، فهو بمعنى بشر - بكسر الشين - أى فرح أو للمبالغة، أى يكثر فرحهم، أو يعظم، أو مطاوع لأبشر، أى بشرهم الله، أى سرهم الله وبشرهم فاستبشروا، وجملة { يستبشرون } معطوفة على { يرزقون } ، أو على فرحين ولو كان { فرحين } اسما، لأن { يستبشرون } بمعنى مستبشرين، أى فرحين ومستبشرين، كقوله تعالى
Unknown page