Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا
ومثل هذا كثير، ثم إن عبارة بعض تبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين، وعبارة بعض تبيض وجوه المخلصين، وتسود وجوه المنافقين، وعليه فيقاس على وجوه المنافقين، وجوه المشركين، أو ذلك من قائله تمثيل، وعن عطاء تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بنى قريظة والنضير، وقيل تبيض وجوه من أسلم وبقى على الإسلام، وتسود وجوه المرتدين، وقيل تبيض وجوه من كان على السنة، وتسود وجوه أهل البدع، والأهواء كالصفرية وسائر الفرق المبطلة، ولعل التخصيص فى هذه الأقوال، تمثيل وإن كان تفسير أحمل عليه غيره ولا دليل لأصحاب التخصيص، فالأولى التعميم للمؤمنين والكفار، والوعيد إنما هو مخالفة دين الله، فعليها الأسوداد، وعلى الموافقة الابيضاض. فمن خالف الجماعة، أعنى الحق الذى يجب على الناس أن يكونوا فيه جماعة واحدة، فهو الذى يسود وجهه، وهو المراد فى حديث أبى ذر من رواية أبى داود قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
" من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه "
وربقة والإسلام عقدة استعارة من ربقة الحبل، وهو عروة فيه، والجمع ربق. وذلك أنه تجعل عدة عرى فى حبل واحد. وفى حديث عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" من سره بحبوحة الجنة، فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الإثنين أبعد "
البحبوحة الوسط، والفذ الواحد، والمراد من خرج عن الجماعة المأمور بالكون معها، ولا تعتبر الكثرة، فإنه لو قيل لك كن مع الجماعة الذين يفعلون كذا، ورأيت واحدا يفعله، لفهمت أنك تكون معه فما تجد أحدا على السنة والقرآن تحقيقا غير أهل الدعوة، وأنا أدركت ذلك، إدراكا تاما لا تقليدا، والحمد لله، ورأيت من قرب إلى ديانتنا من قومنا تارة، يؤولون ما تأويله تكلف بعيد لبعد أدلتهم، وتارة يبقون على الظاهر تحقيقا ما وجب تأويله لتظاهر أدلته، وقربها جدا ولزومها، وتارة يبقونه على ظاهره نطقا ما وجب تأويله، ويكلون تحقيقه إلى الله مع علمهم باستحالة الجرى على ظاهره، كالراجع عن علمه، وربما وجدنا كذبا كذبوه فى كتبهم منه قول بعض منهم الذين تفرقوا واختلفوا هم من خرج عن على، عند قبوله التحكيم. فإن أمر الحكمين لم يكن حين نزلت الآية، بل فى إمارة على، وتفرقوا واختلفوا صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفهما للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلت الأدلة على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تبيض وجوههم، فمن خالفهم فهو داخل فى قوله تعالى { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } وهو يعم كل من كفر بعد إيمانه واعلم أنه قد خرج عن على حين أذعن للحكومة، صحابة كثيرون، رضى الله عنهم وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون، ويشتمون من خرج عنه، ويلعنونه غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد، إما حق فى حق الجميع، أو باطل فى حق الجميع، وسيأتيك إن شاء الله أن الخروج فى جنب الصحابة والتابعين معا، فإذا كان حقا فى جنب الكل فكيف يشتمون من خرج من غير الصحابة؟ وإن كان باطلا فى جنب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضا - عافاهم الله - وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح الحديث ويأولونه فينا وليس فينا، ومن ذلك ما رواه الزمخشرى عن أبى أمامة أن الذين اسودت وجوههم هم الخوارج، وأنه لما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه، ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء، الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب أشىء لقوله برأيك؟ أم شىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة.
قال فما شأنك دمعت عيناك؟ قال رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا. ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده، فقال إن بأرضك منهم كثيرا فأعاذك الله منهم، فهذا الحديث إنا أن يكون موضوعا لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما قاله ابو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون قد قاله صلى الله عليه وسلم، وليس فيمن خرج عن على فى أمر الحكمين وإلا شمل الصحابة الخارجين عنه رضى الله عنهم، وقومنا هم لا يقولون بشتمهم، فكيف يشتم غير الصحابة بفعل فعله الصحابة، واقتدوا بالصحابة فيه مع أنهم قد اقتدوا بمن قال صلى الله عليه وسلم
" اقتدوا بهم وإنهم كالنجوم "
والحق مع فريق واحد له أدله تأتى إن شاء الله، فأخطأ أبو أمامة فى تأويله بمن خرج عن التحكيم، لأنه من أصحاب الدعوى والنزاع فى ذلك فيكون الحديث فى الصفرية وهم المبالغون فى العبادة جدا وهم شر قتيل، وقاتلهم خير قاتل، فأخطأ أبو إمامة فى تفسيره الحديث بمن رآهم على درج دمشق ممن نفى التحكيم، ومن ذلك ما رووه
" عن على بن أبى طالب أنه قال حين سار إلى الذين خرجوا عنه، أيها الناس..إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لاتجاوز صلاتهم، أو قال قراءتهم تراقبهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية "
Unknown page