509

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

Regions
Algeria

" لا تجوز شهادة خائن، ولا مجلود فى حد، ولا ذى غمر على أخيه، ولا مجرب شهادة، ولا القانع لأهل البيت، ولا ظنبن فى ولاء، ولا فى قرابة "

والغمر الحقد، والقانع السائل المستطعم لأهل بيت لا يشهد لهم، وقيل المنقطع إليهم يخدمهم، وقوله { ممن ترضون من الشهداء } ، تنازعه استشهدوا، والفعل المقدر فيه قوله { فرجل وامرأتان } ، وإن لم يقدر ما يصلح للتنازع علق باستشهدوا، وقدر مثله لقوله { فرجل وامرأتان } ، يكون نعتا له أو متعلقا بما يقدر أو بالعكس، فقوله { ممن ترضون من الشهداء } ، عائد إلى قوله { فاستشهدوا شهيدين من رجالكم } ، وإلى قوله { فرجل وامرأتان } ، ويرجح للأخير إما على التنازع أو غيره قوله. { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } علة للمحذوف فى قوله { فرجل وامرأتان } والتقدير مثلا فالمستشهد امرأتان لأجل أن تضل إحداهما فى شهادتها كمن فى الطريق بأن تنساها أو تزيد أو نقتص منها أو تبدل فتذكرها الأخرى، ومحط التعليل قوله { فتذكر } وأما قوله { أن تضل } فتمهيد كأنه قيل فتذكر إحداهما الأخرى لضلالتهما فى الشهادة، وذلك من التمهيد بالسبب، لأن التذكير سبب عن الضلالة، والضلالة الغيبة عن الشئ، فمن أخطأ فى الشهادة فقد ضل، ومن التمهيد بالسبب قولك أعددت الخشبة لأن يميل الحائط فادعمه، وبه مثل سيبوبه للآية، وأعددت السلاح لأن يجيئ العدو فادفعه، فالعلة فى الحقيقة الدفع والإدعام، والآية دالة على ما صرح به حديث " إن النساء ناقصات عقل إذا قيمت اثنتان مقام واحد، لقلة ضبطهن لتذكر من لم تنس من نسيت بأن تقول لها مثلا حضرنا مجلس كذا وتحملنا شهادة كذا ومعنى تذكر نصيرها ذاكرة، أى غير ناسية وهو التفكير، وقال سفيان ابن عيينة معناه تصيرها ذاكرا فى المعنى ضد الأنثى ويرده عطفه على تضل، لأن تصيرها إياها ذكرا لا يختص بما إذا ضلت، ولأنها لا تصير وحدها ذاكرا، بل مع الأخرى كما هو مراده، واللفظ لا يتبادر منه ذلك، وهذا واقع لم تنس أو نسيت، وأن الأصل ألا يشتق الفعل من الجامد غير المصدر، وقد يجاب عن غير هذا بأن تذكر على تفسيره نصب فى جواب أمر أو محذوف، أى فليشهد أو ليستشهد رجل وامرأتان، فتذكر إحداهما الأخرى، وقرئ ببناء تضل للمفعول، وقرأ حمزة، أن تضل إحداهما فتذكر بكسر همزة إن على الشرط، فتكون فتحة لام تضل للتخلص من التقاء الساكنين، ورفع تذكر والفاء على هذا فى جواب الشرط، فيكون تذكر إحداهما جوابا مع قد محذوفة دلت عليها الفاء، أى فقد تذكر، وقرأ ابن كثير وأبو عمر ويعقوت بفتح أن، ونصب ما بعد الفاء وإسكان الذال، وتخفيف الكاف بالتعدية بالهمزة من اذكره إذكارا، كما عداه الجمهور وحمزة بالتشديد، وقيل التذكير ذكر أسباب التذكير لها، والإذكار تصيرها ذاكرة، وعلى الأول وهو قراءة الجمهور وحمزة قد تذكرها ولا تتذكر.

{ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } أى لا يمتنع الشهداء عن تحمل الشهادة إذا ما دعوا لتحملها، فمعنى الشهداء من يتأهل للشهادة قاله قتادة أو يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة بعد تحملها، قاله مجاهد. قال النعاش وهو تفسيره صلى الله عليه وسلم، أولا يمتنع من تأهل الشهادة عن تحملها إذا لم يتحملها، ولا عن أدائها إذا تحملها، قاله ابن عباس والحسن، والمتحمل لها يصح أن يقال فيه متأهل غايته أنه قد دخل فيما هو له أهل، وقد يقال الراجح حمل لفظ الشهداء على من تحملوا الشهادة، والمعنى لا يأبوا عن أدائها، وهذا حقيقة، وأما حمله على من تأهل للشهادة فمجازو والحقيقة أولى، وأيضا هذا المجاز من مجاز الأول، وشرط مجاز الأول أن يكون متحقق الوقوع بعد مثل

إنك ميت وإنهم ميتون

أو يترجح الوقوع كتسمية العصير للخمر خمرا، وما هنا ليس كذلك إذ المعنى ليس لا يأب من لا بد أن يكون شهيدا بعد، ولا من يترجح أن يكون شهيدا، وقد يقال بالغ فى الأمن بتحملها فسماه، باسم متحملها أو لوح لهم للمبالغة بأنهم لا بد أن يكونوا حامليها أو شهيد للنسب، فإنه قدير دله فعيل أى لا يأب المنتسبون للشهادة بتأهلهم لها، وقد يرجح حمل لفظ الشهداء على المتأهل للشهادة بطريق المجاز أو النسب، ليناسب قوله { ولا يأب كاتب أن يكتب } ، فإن معناه أمره بأن يكتب، وليكن المعنى هنا أمرهم بأن يشهدوا إلا بأن يؤدوا، أو مفعول يأب يقدر بعن، أى لا يأب الشهداء عن تحمل الشهادة، أو عن أدائها، أو بمن أو منصوبا بدونهما، وما لفظ أكد به عموم وقت إذا قيل كان الرجل يأتى المجلس العظيم يطلب من يشهد فلا يتبعه منهم أحد فنزلت الآية. { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } نهى لأصحاب الحقوق عن أن يملوا كتابة حقوقهم، ولو كانت شيئا قليلا، فإن النزاع فى المال القليل أو الحق الحقير ربما أدى إلى فساد عظيم، وجناح شديد، وأيضا تضييع القليل إسراف، وذلك أن صاحب الحق قد يكسل عن كتابته لقلته وهو أنه عنده أو لكونه كسلانا، وقد تكثر حقوقه فيمل الكتابة للكثرة، فنهى عن ذلك، والسامة الملل، ومصدر تكتب مفعول تسأم تضمينا لتسأموا معنى تكرهوا، أو على تقدير من، أو عن أى لا تضعفوا عن أن تكتبوه، أو من أن تكتبوه، والهاء للدين أو الحق أو الكتابة، وقيل المعنى لا تكسلوا عن أن تكتبوه، لأن حقيقة السآمة هنا لا تعم لأنها بعد الشروع فى الفعل الممتد الطويل، فلا يقال لمن لم يشرع سئم فتسأموا كناية عن الكسل، وإنما عدل إلى الكناية به لأن الكسل صفة المنافقين،

وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى

قالى صلى الله عليه وسلم

" لا يقل المؤمن كسلت "

، والجواب أنه لا تختص السآمة بالشروع، بل يجوز استعمالها فى شئ لكثرة ارتكاب مثلة، ومعنى صغر الدين أو الحق وكبره قلته وكثرته، وإذا أعيدت الهاء للكتاب، فمعنى صغر الكتاب وكبره كونه قليل الألفاظ أو كثيرها، وأجل الدين أو الحق أو الكتاب وقت حلوله، وإلى أجله حال من الهاء فى تكتبوه، أى مستقرا فى الذمة إلى أجله لا متعلق بتكتبوه، لأن الكتابة لا تتسم إلى أجل الدين، قال ابن هشام وقرئ بالتحتية فى تسأموا وتكتبوه. { ذلكم } الإشارة لمصدر تكتب وهو الكتب بفتح الكاف وإسكان التاء، كأنه قيل ذلكم الكتب. { أقسط عند الله } أعدل أى أكثر قسطا وهو العدل. { وأقوم للشهادة } أعون على إقامتها، لأن يذكرها بالقراءة لها من الكتاب الذى كتبت فيفى، لا يقال قسط بمعنى عدل، بل بمعنى جاز، وقام بمعنى أثبت غيره، فأقسط اسم تفضيل من أقسط بالهمزة بمعنى سلب القسط وهو الجور، وأقوم اسم تفضيل من أقام بالهمزة التى للتعدية أى صيره ثابتا، وذلك غير مقيس، وأجاز سيبويه قياسه، وقيل إن كانت الهمزة لغير التعدية وذلك أولى من أن يقال بنى اسم التفضيل مما لا فعل له وهو قاسط بمعنى ذى قسط، أى عدل وقويم بمعنى مستقيم، ولم تنقل فتحة واو أقوم لقافه فتقلب الفاء لتحركها فى الأصل، وانفتاح ما قبلها فى الحال لجمود اسم التفضيل كفعل التعجب. { وأدنى ألا ترتابوا } أى أقرب إلى أن ترتابوا، أى إلى ألا تشكوا فى قدر الحق، الحق أو جنسه أو صفته أو أجله أو فى الشهادة أو الشهود لو لم تكتبوا، وبعض قدر أدنى فى ألا ترتابوا. { إلا أن تكون } تثبت ولا خبر له. { تجارة } فاعل تكون. { حاضرة } يدا بيد. { تديرونها بينكم } بالقبض فى المجلس، فالجملة نعت ثان لتجارة أو حال منها أو من ضميرها فى حاضرة، وفى الجملة توكيد، لأن القبض أفاده لفظ حاضرة، ويجوز أن يكون حاضرة بمعى مطلق حضور التصرف فى المال لطلب الربح، وهذا التصرف تجر حاضر ولو غاب الثمن أو الثمن، فيكون يديرونها حينئذ قيد مخصص، ومعناه تقبضونها فى المجلس وتقبضون الثمن فيه أيضا، وتسمية نقل السلعة مثلا من ملك صاحبها إلى مشتريها ولو لم ترجع إليه بواسطة أو بها إدارة استعمال للمقيد فى المطلق، ويجوز أن تكون جملة { تديرونها } خبرا لتكون وتجارة اسمها، وقرأ عاصم ينصب تجارة على أنه خبر تكون واسمها ضمير مستتر عائد إلى التجارة التى دل عليها المقام، ولفظ تجارة، أى إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، والاستثناء منقطع عائد إلى قوله { ولا تسأموا أن تكتبوه }.

{ فليس عليكم جناح } ضرر أو إثم. { ألا تكتبوها } أى فى ألا تكتبوها، لأنه لا يتجاحدون إذا قبض كل واحد ما هو حق له من الآخر لئلا يشق عليهم ذلك. قال الضحاك والسدى الآية فيما كان يدا بيد تأخذ وتعطى كما قلنا. { وأشهدوا } على المبايعة من تجزئ شهادته. { إذا تبايعتم } هذا التبايع الحاضر ندبا أو وجوبا خلاف فاقبل هذا نفى للحرج فى ترك كتابة التجارة الحاضرة، وهذا فى الأمر بالإشهاد عليها، لأنه أخف مؤنة وأكثر احتياطا، وقيل المراد بالمبايعة هنا مطلق البيع نقدا وعاجلا أو آجلا فيما قل وأكثر، والجمهور من الأمة على أن الأمر فى هذا الآيات للندب، والنهى للتنزيه لا للوجوب، والتحريم قبل قوله { وأشهدوا إذا تبايعتم } منسوخ بقوله

Unknown page