Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
[17.65]
{ إن عبادى } أى عبادى المؤمنين بدليل قوله إلا من اتبعك من الغاوين ويرشد أيضا إلى ذلك الإضافة التى هى هنا للتعظيم إذ لا صارف عن التعظيم فكأنه قيل إن العباد الذين اخترتهم وأخلصتهم لى ويناسبه قوله إلا عبادك منهم المخلصين. { ليس لك عليهم سلطان } قوة تطيق بها اغواءهم. { وكفى بربك وكيلا } حافظا لهم منك والوكيل يستعمل بمعنى الحافظ أو كفى بربك وكيلا يتوكلون عليه فى الاستعاذة منك وفى كتب عجائب الدنيا وغيرها أن إبليس قال يا رب أخرجتنى من الجنة لأجل آدم فسلطنى عليه وعلى ذريته. قال أنت مسلط. قال لا أستطيعه إلا بك. قال استفزز من استطعت منهم.. الخ. قال يا رب تبعث أنبياء وتنزل كتبا فما قراءتى. قال الشعر. قال وما كتابى. قال الوشم. قال ومن رسلى قال الكهنة. قال ما طعامى. قال ما لم يذكر اسم الله عليه. قال ما شرابى. قال كل مسكر. قال ما مسكنى. قال الحمامات. قال ما مجلسى. قال الأسواق. قال وما شراكى الذى أصطاد به. قال النساء. قال ما أذانى. قال المزمار. وقال آدم يا رب سلطت إبليس على، وعلى ذريتى وإنى لا أستطيعه إلا بك. قال لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه. قال رب زدنى. قال الحسنة بعشر وأكثر والسيئة بمثلها. قال ربى زدنى. قال التوبة مقبولة ما دام الروح فى الجسد قال ربى زدنى. { قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } - الآية. وفى قوله { وكفى بربك وكيلا } دفع للخوف الحاصل فى قلب الإنسان من كيد الشيطان فإنه تعالى رحيم بعباده وقدير على عصمتهم من إغوائه.
[17.66]
{ ربكم الذى يزجى لكم الفلك } يدفعها بالريح اللينة والمجاديف إذ ألهمكم المجاديف فكأنه قيل يسوقها. { فى البحر } حال من الفلك أو يتعلق بيزجى. { لتبتغوا } تطلبوا بالكسب الأرباح وأنواع الأمتعة كان عندكم مثلها أو لم تكن. { من فضله } من سعة رحمته. { إنه كان بكم رحيما } بخلق ما تحتاجون إليه وتسخير الفلك لتتوصلوا بها إليه.
[17.67]
{ وإذا مسكم الضر فى البحر } هو اضطراب البحر وتموجه وانكسار بعض السفينة وانقطاع بعض آلاتها ووقوعها فى الدردور وجذورها ماسة لجبل من تحت أو من جانب أو نحو ذلك من أهوال البحر التى يخاف منها الغرق، ولك أن تفسر الضر بخوف الغرق لشئ من نحو ما ذكرنا { ضل } غاب ذهب عن قلوبكم { من تدعون } تعبدون أو تطلبون فى حوادثكم من الأصنام { إلا إياه } إلا الله سبحانه وتعالى فإنه يحضر فى قلوبكم حينئذ فتدعونه وحده لأنكم تعلمون أنه لا يكشف ذلك الضر إلا هو، ويجوز أن يكون المعنى غاب ما تدعونه عن غاثتكم من الأصنام إلا الله، وقد علمت من إيقاع من على الأصنام أن الاستثناء منقطع فى وجهين، ويجوز أن بقاعها على ما يدعونه مطلقا بحيث يعم الظاهر اللفظ الله جل جلاله وتلك الأصنام، على أنهم قد يدعون الله فيكون الاستثناء متصلا. { فلما نجاكم إلى البر } من الغرق { أعرضتم } عن التوحيد وأقبلتم على الأصنام، ويجوز أن يكون المعنى كفرتم كفرا عريضا أى واسعا كقول ذى الرمة يذم شخصا
عطاء فتى تمكن فى المعالى فأعرض فى المكارم واستطالا
أى اتسع فى كفران المكارم بعد شكرها، واستطال فى كفرانها. { وكان الإنسان كفورا } جاحد للنعم جحودا عظيما كثيرا بعدم الشكر والإنسان الجنس، وفى هذا إيماء لعلة الإعراض كأنه قيل أعرضتم لإنسان كفور.
[17.68]
{ أفأمنتم } الهمزة للاستفهام الإنكارى أى أمنكم غير صواب وهى من جملة المعطوف ولكن لكمال صدريتها تقدمت على العاطف والعطف على أعرضتم، ويجوز كون الهمزة داخلة على معطوف عليه محذوف أى أنجوتم فأمنتم ومعنى الفاء على الوجهين السببية { أن يخسف بكم جانب البر } كقارون وقوم لوط أى أن يدخلكم الله فى جانب البر فتكونوا فى داخل الأرض، كما يكون الغريق فى داخل الماء، فإن القادر على إغراقكم فى البحر قادر على الخسف بكم فإن الإغراق تغييب تحت الماء والخسف والتغييب تحت التراب، والبر والبحر سيان عند الله عز وجل، وكلاهما ملك له فعلى العاقل أن يستوى خوفه من الله برا وبحرا، ومصدر يخسف مفعول أمن، وبكم متعلق بيخسف وباؤه للتعدية معاقبة للهمزة وجانب ظرف، وقيل إن الباء بمعنى على متعلقة بمحذوف حال أى نقلبه وأنتم عليه أو للسببية متعلقة بخسف، وأن جانب مفعول يخسف يعنى أن صاحب الحال هو جانب وإدعاء الحالية هنا سهو وإنما تصح على أن الباء للإلصاق أو المعية وفى ذكر الجانب تلويح لأن فى كل جانب سبب هلكة، والجهات كلها سواء عنده ولكنه بمنه وكرمه يحفظ الخلائق وتلويح بسرعته إلى الكفران والإعراض بعد التنجية، فعندما وصلوا جانب البر وهو ساحله كفروا وأعرضوا. وقرأ ابن كثير وأبو عمر نخسف أو نرسل أو نغرقكم بالنون فى الخمسة. { أو يرسل عليكم } من السماء { حاصبا } أى حصباء وهى الحجارة الصغار كما أرسلنا الحجارة على قوم لوط الخارجين من القرية أو على المخسوف بهم أيضا وأصحاب الفيل أو ريحا حاصبا يحمل الحصباء ويرى به وقيل الحاصب السحاب بالبرد بفتح الراء والباء وهو حب الغمام وهو تفسير ضعيف. { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا يحفظكم من ذلك المذكور من الخسف والحاصب فإنه لا راد لفعله، وقد بين الله سبحانه وتعالى قدرته فى الآية أنها لا تنحصر فى جهة، فإنه إن لم يصبكم الهلاك من تحتكم بالإغراق أصابكم إن شاء من تحتكم بالخسف وإن لم يصبكم من تحتكم أصابكم إن شاء من فوقكم بالحصباء ويكون أشد عليكم من الغرق.
Unknown page