1526

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أنكروا البعث، { أعتدنا } أحضرنا وهو أفعل من عتد بمعنى حضر فهو رباعى فلذلك ثبتت همزته وفتحت وهى همزة قطع، وأما همزة أن ففتحت لأن العطف على أن السابقة وما بعدها والعطف فى الخفية المصدر وكأنه قيل يبشر المؤمنين بأن لهم أجرا كبيرا وبأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا { لهم عذابا أليما } هو النار فى الآخرة فتلك بشارتان للمؤمنين ويجوز أن تكون أن الثانية على تقدير يخبر أى هو آى القرآن أن سامعيه الذين لا يؤمنون بالآخرة الخ، وجملة يخبر المقدرة تعطف على جملة يبشر وإنما ذكر المؤمنين والمشركين ولم يذكر المنافقين الذين أتوا بالقول وضيعوا العمل، لأن منزلة النفاق لم تكن حينئذ وأما المنافق الذى هو من أسر الشرك وأظهر الإيمان فداخل فى الذين لا يؤمنون بالآخرة إن كان شركه إنكار البعث أو لم يذكر هذا أيضا لأنه لم يوجد حينئذ وإنما يوجد بعد ويحتمل دخول قسمى النفاق فى الذين لا يؤمنون بالآخرة، لأن من آمن بها ولم يعمل بمقتضاها غير مصدق بها حقيقة التصديق وعلى هذا يكون المراد بعدم الإيمان بها عدم التصديق الحقيقى سواء عدم التصديق أصلا أو وجد تصديق غير حقيقى فلا جمعا بين الحقيقة والمجاز.

[17.11]

{ ويدع } بحذف الواو فى خط المصحف كما حذفت فى النطق للساكن بعدها وهو اللام وحركت اللام بالكسر نقلا من همزة إنسان إذ لم يعتد بالعارض والضم مقدر على تلك الواو المحذوفة، { الإنسان } جنس الإنسان ، { بالشر } على نفسه أو أهله أو ماله عند غضبه وضجره يقول اللهم العنى اللهم أهلكنى ونحو ذلك ولو أجاب الله الرحمن الرحيم دعاءه لأهلكه أو فعل ما دعى به لكنه بفضله وكرمه يصفح لا يجيب دعاء المستعجل الضجر، قال الله سبحانه

ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم

ويحتمل أن يكون المراد أنه يدعو بما يحسبه خيرا وهو شر. وعن ابن عباس أن الإنسان هو النضر بن الحارث قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك - الآية. فأجيب دعاؤه فضربت عنقه صبرا وقيل جنس الكافر المستهزئ المستعجل بالعذاب كالنضر، { دعاءه بالخير } أى دعاءه مثل دعائه لنفسه بالخير أو لأهله أو ماله والمراد أنه يدعو بالشر بدلا من دعائه الخير وكان ينبغى أن يدعو بالخير، { وكان الإنسان } جنس الإنسان، { عجولا } يسارع إلى طلب ما يخطر بباله لا ينظر فى العاقبة لعلها شر. روى

" أنه - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا - فبات يئن، فقالت مالك؟ فشكى ألم الكتاف، فأوسعت له فيه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا به، فقيل له إن سودة أوسعت له فهرب، فقال اللهم اقطع يديها فرفعت يديها تتوقع الإجابة، فقال - صلى الله عليه وسلم - إنى سألت الله أن يجعل لعنتى ودعائى على من لا يستحق من أهلى رحمة لأنى بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها، فنزلت الآية "

، وقيل المراد بالإنسان الثانى آدم لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط. وعن ابن عباس وسلمان أنه لما نفخ فيه الروح ووصل أنفه وبصره من رأسه عطس وأبصر ولما سار الروح إلى أسفل أعجبته نفسه فذهب ليمشى قبل أن يصل ساقيه فلم يقدر فأنتم ذوو عجلة موروثة من أبيكم.

[17.12]

{ وجعلنا الليل والنهار } أعينهما أنفسهما، { آيتين } علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا تدلان بسبب تعاقبهما لأنهما يتعاقبان على نسق واحد مع إمكان غيره فدلا على أن لهما مدبرا خصهما بحال من الأحوال الجائزة بل وجود الشئ مطلقا بعد العدم دليل على أن له موجدا ليس حادثا لأن الشئ لا يوجد نفسه والحادث لا يوجد حادثا { فمحونا آية الليل } الإضافة للبيان أى آية هى الليل ومحوها إنما هو إدخال النهار عليه فيكون الإشراق بالشمس فتزول الظلمة، { وجعلنا آية النهار } الإضافة أيضا للبيان أى جعلنا بنفسها آية هى النهار { مبصرة } ترى هى بنفسها الأشياء على طريق الإسناد المجازى فإن النهار لا يكون رائيا للأشياء ولكن لما كان سببا للرؤية وزمانا لها أسند إليها الرؤية وذلك على أن مبصرة من أبصر المتعدى لواحد محذوف للعلم به والعموم أو لعدم تعلق غرض الكلام به أو يقدر مضاف أى مبصرا أهلها من أبصر المتعدى لواحد أى يبصر أهلها الأشياء وحذف الواحد لما ذكر ويقرب من هذا الوجه الأخير فى المعنى أن يكون من باب قولك أجبن الرجل أى صار أهله جبناء فيكون مفيد المعنى كقولك مبصرا أهلها بالهمزة فى أبصر المأخوذ منه مبصرة لا بتقدير المضاف ويجوز أن يكون مبصرة بمعنى مضيئة، ويجوز أن يكون من أبصر المتعدى لاثنين بالهمزة المتعدى لواحد بدونها، أى تصيرهم باصرين الأشياء وعلى كل فالمراد أن الله سبحانه وتعالى وعز وجل النهار مشرقا تظهر فيه الأشياء، وقيل إتيان الشمس والقمر فيقدر مضاف أولا أى جعلنا نيرى الليل والنهار آيتين أو الآخر أى وجعلنا الليل والنهار ذوى آيتين والنيران هما الشمس والقمر، ومحو آية الليل وهى القمر جعلها فى نفسها طلساء غير منيرة، فإنها إنما تستفيد النور من الشمس تشبه خلقها غير مضيئة بإزالة ضوئها بعد وجوده بجامع عدم النور أو عبر عن خلقها غير مضيئة بالمحو، لأن المحو فى الجملة سبب لعدم الإضاءة وملزوم له ويجوز أن يكون المراد لمحو آية الليل نقص نورها شيئا فشيئا بحسب قربه من الشمس إلى أن يستتر ويجوز أن يكون المراد بمحوها كون القمر لا يرى به الشئ رؤية بينة كما يرى بالشمس فعبر عن خلقه أنقص من الشمس بالمحور، لأن المحو فى الجملة سبب للنقص وملزوم له، ويجوز أن يكون المراد أن القمر قد كان كالشمس فى الإضاءة فأزال الله جل وعلا من ضوئه إلى أن بقى كما هو ليلة تمامه. قال ابن عباس جعل الله نور الشمس مائة جزء، ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر ستة وتسعين جزاء فجعلها من نور الشمس، وقل محا من نوره تسعة وتسعين جزءا وبقى جزء واحد.

وروى أن الله تبارك وتعالى أمر جبريل أن يمر جناحه على القمر ثلاث مرات فطمس ضوءه إلا ما بقى فيه ليلة تمامه، فمن ذلك كان فيه الكلف وهو ما يرى فيه من سواد وقد سأل ابن الكوى عليا عن السواد الذى فى القمر فقال هو أثر المحو ويدل لقول ابن عباس وما بعده الفاء بقى للموضوعة للتعقيب وتجعل على غيره لعطف المفصل على المجمل، فجعل الليل والنهار آيتين فحمل فصله بقوله فمحونا آية الليل.. الخ. وأما الشمس فباقية على ضوئها لم ينقص منه شئ وترى بها الأشياء رؤية بينة وليس ضوؤها مستفادا من شئ تقابله بل خلقت فى نفسها مضيئة كخلقة النار { لتبتغوا } تطلبوا بكسبكم فى بياض النهار { فضلا } أسباب المعاش { من ربكم } وهو الذى يتفضل بها عليكم وتتوصلون إلى بيان أعمالكم وضبطها بذلك البياض { ولتعلموا عدد السنين والحساب } أى لتعلموا باختلاف الجديدين وهما الليل والنهار وعدد السنين وتعلموا جنس الحساب وما تحتاجون إليه منه ولولا ذلك لتعطلت الأمور ولم يدر حد لوقت ولا وقت حلول الدين أو الحج أو إفطار الصائم. وروى عن على وأبى هريرة أن كل يوم يقول أنا يوم جديد وعلى ما تعمل شهيد وكذا الليلة تقول أنا ليلة جديدة وعلى ما تعمل شهيدة. وروى عن الغاز بن قيس أنه كان يقول ما من يوم يأتى إلا ويقول أنا يوم خلق جديد وعلى ما يفعل فى شهيد خذوا منى قبل أن أبيد فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدا فقال الحمد لله الذى لم يجعلنى اليوم العقيم يريد باليوم الليل والنهار أو النهار فقط ويعلم حكم الليل بالقياس عليه والعقيم الذى لم يذكر الله فيه أو الذى استؤصل فيه قوم عافانا الله بفضله وكرمه ومعرفة السنين والحساب للأشهر والأيام فى الشرع إنما هى بالقمر لا بالشمس واعلم أن العدد للسنين والحساب للشهور والأيام والساعات، وليس بعد السنين والشهور والأيام والساعات إلا التكرار فالأسبوع مجتمع من أيام ولا يقال الشهر كذلك متكرر مجتمع منها لأنه، ولو كان كذلك، لكنه متميز باستتار القمر آخر المدة وظهوره من أول المدة، وكذلك السنة ولو اجتمعت من آيام وشهور لكن تميزت بدوران الفصول الأربعة واليوم ولو اجتمع من ساعات لكن تميز بغيبوبة الشمس فيكون أوله أول الليل وآخره آخر النهار { وكل شىء } بالنصف عطف على عدد أو الحساب وقوله { فصلناه تفصيلا } نعت لكل أو شئ ويجوز كون منصوبا على الاشتغال والمشغول هو فصلنا بعده، وهذا المعنى أولى وهو أيضا أنسب بما بعده فإن علم كل شئ مفصل من جعل آية النهار مبصرة غير واضح وغير متبادر، وإنما الواضح المتبادر أن يقال كل شئ يفتقر إليه فى أمر الدين والدنيا قد فصله الله تفصيلا، أى بينه بيانا شافيا لا يلتبس حتى لا تبقى على الله حجة وقيل الشمس والقمر دليلان على التوحيد ونعمتان من الله عز وجل فقد فصل بهما الأشياء، وقد علمت أن ليس المراد بالشئ كل شئ على الإطلاق فإن جد الأشياء لا يعلمها بل ما نحتاج إلى معرفته فإنه هو المفصل لنا، ويجوز أن يراد التفصيل فى قدرة الله وعلمه وإيجاده فيكون العموم على ظاهره.

Unknown page