Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
[16.33]
{ هل ينظرون } هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون لك { إلا أن تأتيهم } وقرأ حمزة والكسائى بالتحتية { الملائكة } ملك الموت وأعوانه لقبض الأرواح ولا بأس عندى بنسبة قبض الروح للملائكة بمعنى تسببهم فى خروجها بالعصر أو عروجهم بها إلى السماء بعد خروجها خلافا لمن شدد فى ذلك وألزم أن لا ينسب إلا إلى الله { أو يأتى أمر ربك } وهو عذاب الاستئصال أو يوم القيامة ويجوز أن يراد بإتيان الملائكة إتيانهم العذاب الاستئصال وبإتيان أمر ربك يوم القيامة وانتظارهم ذلك كناية عن أنهم مستوجبون لعذاب الاستئصال أو لا محيد عن الموت أو موافاة القيامة لهم { كذلك } أى مثل ذلك الكفر { فعل الذين من قبلهم } من الأمم فأهلكهم الله { وما ظلمهم الله } بالإهلاك { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بفعل ما يؤدى إلى الهلاك.
[16.34]
{ فأصابهم سيئات ما عملوا } أى جزاء سيئات ما عملوا وحذف المضاف أو معنى السيئات الجزاء تسمية للجزاء باسم سببه أو باسم ملزومه وإنما ذكر إصابة الجزاء مع أن قوله وما ظلمهم الله مغن عنه من حيث أن المعنى ما ظلمهم بالإهلاك كما علمت ليبنى عليه ما بعده وليفيد بالفاء أن موجب الإهلاك ظلمهم أنفسهم ويجوز أن تكون الجملة معترضة ومحلها بعد قوله يستهزئون والأصل كذلك فعلى الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون وما ظلمهم الله أى بإصابة سيئات ما عملوا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ويجوز أن يكون المعنى ما ظلمهم بالهلاك ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا أى عوقبوا فى قبورهم، أو ما ظلمهم الله بالجبر على الأفعال المؤدية للهلاك لأنه لم يجبرهم بل اختاروها { وحاق } أى نزل أو أحاط ولا يستعملوا فى الخير { بهم ما كانوا به يستهزئون } أى جزاء ما استهزأوا به من الوحى والرسل أى الجزاء اللازم على استهزائهم بذلك ويجوز كون ما مصدرية وعود الهاء من به إلى أمر ربك على أن معنى أمر ربك عذاب الاستئصال أى وحاق بهم جزاء استهزائهم بأمره.
[16.35]
{ وقال الذين أشركوا لو شآء الله } أن لا نعبد سواه ولا نحرم غير ما حرمه { ما عبدنا من دونه من شئ } من صلة فى المفعول ومن دونه حال منه { نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء } كالسائبة والوصيلة والبحيرة والحام فإن كان الإشراك والتحريم محرمين فإن الله قد شاء أن نفعلهما وجبرنا عليهما فلا لوم علينا، أو قالوا ذلك استهزاء ببعث الرسل والتكليف وإنكارا لهما بأنه لا فائدة فيهما لأن ما شاء أن يكون لا بد من كونه وما شاء أن لا يكون لا بد أن لا يكون أو إن كان الإشراك والتحريم محرمين فيجيز لجبرنا الله على خلافهما أو هدانا إلى غيرهما { كذلك فعل الذين من قبلهم } أشركوا وحرموا الحلال أو قالوا لو شاء الله ما فعلنا ذلك والجواب أنه لا جبر وإن الله أن يفعل ما يشاء وكل ما فعل حكمة وعدل وأنه مضت سننه ببعث الرسل إلى الأمم وعليهم التبليغ لا الهداية وإن ما شاء الله يقع بأسباب قدرها فاهتداء المهتدين إنما هو بتوسط الرسل ويكونون أيضا سببا لزيادة الضلال لمن لم يؤمن بهم كما قال { فهل على الرسل إلا البلاغ } التبليغ { المبين } الواضح الموضح للحق.
[16.36]
{ ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا } يدعوهم إلى الإيمان كما بعثناك فى هؤلاء { أن اعبدوا الله } أن تفسيريه فإن فى البعث معنى القول دون حروفه وقيل مصدرية بتقدير الياء { واجتنبوا الطاغوت } أى اتركوا عبادة الطاغوت وهو ما عبد من دون الله وقيل الطاغوت الشيطان وهو الداعى لعبادة غير الله { فمنهم من هدى } وفق { الله } إلى الإيمان بإرشادهم { ومنهم من حقت } وجبت { عليه الضلالة } لعدم التوفيق وذلك دليل على أن الهادى والمضل هو الله وأشار إلى ذلك بقوله إن تحرص على هداهم إلى آخره وعلى فساد قولهم أنه لو كان فعلهم قبيحا لما شاء الله صدوره منهم { فسيروا فى الأرض } يا كفار مكة أو معشر قريش { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } لرسلهم قبلكم كعاد وثمود لعلكم تتعظون بما ترون من سراف منازلهم بالهلاك.
[16.37]
{ إن تحرص } يا محمد وقرئ بفتح الراء وهو لغته { على هداهم } وقد أضلهم الجواب محذوف تقديره لم تستطعه ونابت عنه جملة التعليل وهى قوله { فإن الله لا يهدى من يضل } من نائب عن فاعل يهدى والضمير المستتر فى يضل عائد إلى الله وجملة لا يهدى من يضل خبر إن والمعنى لا يهدى أحد من أضله الله وقرأ الكوفيون فإن الله لا يهدى من يضل بفتح الياء وكسر الدال أى لا يهدى الله من أراد الله إضلاله أو يهدى على هذه القراءة لازم بمعنى يهتدى، وتعضدها قراءة ابن مسعود لا يهدى من يضل بفتح الياء والهاء وكسر الدال مشددة أى لا يهتدى أبدلت التاء دالا وأدغمت بعد نقل فتحتها للهاء والقراءة الأولى أبلغ، ويعضدها قراءة أبى فإن الله لا هادى من يضل وقرئ يضل بفتح الياء وإنما قدم اسم الله للتأكيد فهو أبلغ من قولك لا يهدى من يضل الله ولا يهدى الله من أضل { وما لهم من ناصرين } يدفعون العذاب عنهم.
Unknown page