Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إن العار والتخزية لتبلغ من العبد بين يد الله تعالى ما أن يتمنى أن ينطلق به إلى النار وينجو من ذلك المقام "
وحكى الله سبحانه ما يقول لهم الذين أوتوا العلم ليرتدع من سمعه عن الكفر ويدوم على الإيمان من نجاه الله من الكفر { الذين } نعت للكافرين أو بدل أو بيان أو مفعول لمحذوف على الذم أو خبر لمحذوف على الذم أو مبتدأ خبره ألقوا، قرن بالفاء للعموم والإبهام فى المبتدأ المذكور كاسم الشرط { تتوفاهم الملائكة } أى تقصره أرواحهم عند الموت وهم ملك الموت وأعوانه. وقال الحسن تحشرهم إلى النار وهو من التوفى بمعنى استكمال عدد الشىء على الوفاء فإنه لا يبقى أحد منهم بلا موت ولا يبقى غير داخل للنار وقرأ حمزة هنا وفى موضع الآتى بالباء التحتية وقرأ بعضهم بإسكان التاء الأولى وإدغامها فى الثانية عند الوصل اعتمادا على نون الذين وأما فى الوقف فيجلب همزة الوصل { ظالمى } حال من الهاء { أنفسهم } بالكفر والمعاصى الموجبة للعذاب المخلد { فألقوا } فعل ماض وفاعل لا فعل أمر بدليل المعنى وبدليل إثبات الواو مكسورة للساكن المدغم بعدها وفتح القاف وهو فتح مشعر بحذف الألف بعده وإن واو الجماعة دخلت على اللقاء فحذفت الألف لئلا يلتقى ساكنان، وإنما حركت الواو بعد ذلك ولو كان أمرا من اللقاء لقيل ألقوا السلم بضم القاف وحذف الواو من التلفظ للساكن بعده { السلم } هو عدم العدوان ومعنى إلقائهم السلم انقيادهم لأمر الله من التوحيد وغيره حين لا ينفعهم وهو حين معاينة ملك الموت أو حين تمام الموت وذكر ذلك الحسن وقيل المعنى استسلموا للأمر الذى نزل بهم وهو الموت والعذاب { ما كنا نعمل من سوء } عداوة وشرك ومعاص، والجملة مفعول لقول محذوف وذلك القول حال، أى قائلين ما كنا نعمل من سوء أو يجوز أن تكون محكية لإلقاء السلم فإن فيه مضى القول ولا سيما على تفسير الحسن السابق وإنما يقولون ذلك لشدة الخوف، وقيل يقولون ذلك يوم القيامة فيقدر القول المحذوف حال مقدرة لا مقارنة أو يقدر جملة قول مستأنفة أى يقولون ما كنا نعمل من سوء وهو المشهور، ومروى عن الحسن قال فى القيامة مواطن، مواطن يعترفون فيه بأعمالهم الخبيثة كما قال وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وموضع يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم وجلودهم وقيل هو الأخير ولا كلام بعده إلى أن يدخلوا النار وموضع يجحدون كما قال فألقوا والله ربنا ما كنا مشركين فقال انظر كيف كذبوا على أنفسهم وكما قال عنهم ما كنا نعمل من سوء فتقول لهم الملائكة { بلى } أى عملتم السوء، فإن بلى لا يجاب المنفى أو يقول لهم ذلك الذين أوتوا العلم أو الله يخلق كلام فى الهواء أو فى بعض الأجرام يسمعونه أو يأمر الملائكة { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فيجازيكم أو فلا فائدة فى إنكارهم وذلك على العموم، وقال عكرمة عنى بذلك سوء من قتل من الكفار يوم بدر وأن الكلام فيهم وإن ذلك يوم القيامة.
وقد قال بعض العلماء إن الكفار لا يكذبون يوم القيامة فيحتاج إلى تأويل آيات وأحاديث دالة على أنهم يكذبون وإخراجها عن ظاهرها بالمتبادر مثل أن يقول هنا إن المعنى ما كنا نعمل من سوء فى اعتقادنا ولو كان عملنا سوء فى نفس الأمر { فادخلوا أبواب جهنم } كلها على التوزيع يدخل كل صنف منهم الباب المعد له منها المستوجب عمله الدخول منه وقيل أبواب جهنم أصناف عذابها { خالدين } مقدرين الخلود { فيها } أى فى جهنم فالضمير عائد على المضاف إليه وعائد إلى الأبواب بمعنى الطبقات أو أصناف العذاب { فلبئس مثوى } موضع الثواء وهو الإقامة { المتكبرين } عن الإيمان والمخصوص بالذم محذوف أى جهنم وها هنا تم جواب الملائكة.
[16.30-31]
{ وقيل } أى قالوا الوافدون إلى مكة أيام الموسم وكانت أحياء العرب يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبى صلى الله عليه وسلم فيسألون المشركين فيقولون إنه ساحر أو مجنون أو نحو ذلك وإن ترجعوا بدون أن تلقوه خير لكم فيقولون إنا شر وفد إن رجعنا بدون أن ندخل مكة ونلقاه، فيدخلون مكة فيرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون ما حكى الله عنهم بقوله وقيل { للذين اتقوا } ما حرم الله من شرك ومعاص وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { ماذا أنزل ربكم } على محمد فإذا مفعول لأنزل بدليل النصب فى الجواب { قالوا خيرا } أى قالوا أنزل خيرا وهو القرآن والوحى عليه وإنه رسول صادق أمين أتوا بالجواب مطابقا للسؤال مكشوفا بيننا من غير عدول عنه ولا بطء وتكلف لشدة اطمئنانهم وهنا تم الكلام واستأنف الله سبحانه بقوله { للذين أحسنوا } بالإيمان والأعمال الصالحات { فى هذه الدنيا } بدل أو بيان من هذه إن فسرت بالليل والنهار وما حويا أو بالأرض والسماء وما بينهما، لأنه إذ ذاك علم ونعت أو بدل أو بيان إن أبقيت على الوصفية أى هذه الدار القريبة الزوال وفى متعلقة بأحسنوا وللذين خبر وقوله { حسنة } مبتدأ وهى الثواب فى الآخرة تضاعف لهم الحسنة إلى عشر وإلى سبع مائة وأكثر، والمراد بالحسنة جنس ما يستحسن من الثواب أو سمى مجموعها حسنة. وقال الضحاك الحسنة النصر والفتح وقال مجاهد الرزق الحسن فى الدنيا وقيل جميع ما ينعم به عليهم فى الدنيا وعلى هذه الأقوال الثلاثة تتعلق فى بأحسنوا أو بما يتعلق به للذين لو بمحذوف حال من ضمير الحسنة المستتر فى قوله للذين، إما على أن المراد ثواب الآخرة فيكون قوله { ولدار الآخرة خير } زيادة فى الترغيب وتحريضا على دار تكون لهم فيها الحسنة والثواب فيها أحسن من غيره على الإطلاق، وإما على الأقوال الثلاثة فيكون تنبيها على أن لهم دارا عظيمة القدر وهى الجنة بعد ما كان لهم من الحسنة فى الدنيا وكأنه قيل إن ثوابهم فى دار الساعة الآخرة خير لهم مما جرى لهم من الثواب فى الدنيا وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" إن الله لا يظلم من حسنة يثيب عليها الرزق فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة أى لا ينقص من ثوابها شيئا "
وفى رواية
" لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها بالرزق فى الدنيا إلى آخره "
، وتضمنت الآية وعدا للذين يقولون أنزل خيرا فى جواب من قال ماذا أنزل ربكم فإن قولهم ذلك إحسان عظيم قد اتبعوه بالعمل الصالح، ويجوز أن يكون خبرا مفعولا لقالوا لا لمحذوف أى ذكروا خيرا فيكون قوله للذين أحسنوا إلى آخره بيانا لذلك الخير أو بدلا أو مفعولا لقول محذوف مبدل من القول المذكور أى قالوا للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لدلالة قوله ولدار الآخرة خير عليه ويجوز أن يكون المخصوص هو قوله { جنات } بساتين { عدن } أى إقامة وعلى أن المخصوص محذوف يكون هذا خبر المحذوف أى هى جنات عدن لا بطريق أنه المخصوص وقال الحسن دار المتقين هى الدنيا، لأنهم يتزودون منها للآخرة ولا يصح عليه أن يكون المخصوص جنات عدن والصحيح أن دار المتقين الدار الآخرة وهى جنات عدن وهو قول الجمهور وتم كلامهم على الوجه المذكور آخرا من أن خيرا مفعول لقالوا بأوجهه عند قوله حسنة وعند قوله يشاءون أو قوله تعلمون أو ذلك كله من كلام الله كما قلنا على الوجه المذكور أولا أن الكلام تم فى قوله خيرا { يدخلونها } مستأنف أو جنات مبتدأ وهذه الجملة خبره { تجرى من تحتها } تحت قصورها ومساكنها ودورها { الأنهار } ماء ولبنا وخمرا وعسلا { لهم فيها ما يشاءون } من أنواع ما يشتهى ويستلذ حتى زعم بعض الناس أن لهم فيها أن يتمتعوا بأدبار الولدان وهو باطل، وقد سئل عن ذلك بعض أئمة الشافعية قديما فأجابوا بالمنع لأن ذلك المحل لم يبح فى ملة من الملل ولا فى شريعة من الشرائع قال فإن تعصب متعصب من أهل الطباع المنحرفة وقال إنما حرم ذلك المحل فى الدنيا للقذر والنجاسة قياسا على دم الحيض والجنة لا قذر فيها ولا نجاسة قلنا له ممنوع ذلك منك لأن الله سبحانه سماه فاحشة وقد نهى عن الفحشاء ولأن الله تعالى لم يبح دبرا قط أى بخلاف الخمر مثلا فإن الله سبحانه ولو نهى عنها لكنه قد أخبرنا بأنها فى الجنة وأيضا قد أباحها لبعض الأمم.
Unknown page