Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
[16.13]
{ وما ذرأ } خلقه أو بثه ونشره بخلقه إياه فى مواضع لا تحصى والعطف على الليل أو النجوم وعلى الليل أو النهار فى قراءة ابن عامر وعلى الليل أو القمر فى قراءة حفص كأنه قيل وسخر لكم ما خلقه { لكم فى الأرض } من حيوان ونبات وثمار وغير ذلك { مختلفا ألوانه } كأحمر وأصفر وأبيض وأخضر وأسود وغير ذلك. وقال الحسن المراد ما ذرأ لكم من النبات والثمار فقط والأول أفيد لأنه أعم واختلاف أكوان المخلوقات حتى لا يشبه بعضها بعضا من كل الوجوه دليل قاطع على كمال قدرة الله تعالى وإخبار بعضهم أن الألوان بمعنى الأصناف { إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون } ينتبهون بأن اختلافها طبعا وهيئة ولونا إنما كان بصانع حكيم وهم المؤمنون.
[16.14]
{ وهو الذى سخر البحر } جعله كما تنتفعون به مع أنه فى نفسه مهلك ضار ألا ترى عمقه ووسعه وملوحة مائه ودوابه ولله در القائل
ما فيه مستغرب إلا سلامته
ومع ذلك مكننا الله برحمته من الركوب فيه وقطعه والاصطياد منه والغوص فيه { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك وصفه بطريا لأنه أرطب اللحوم حتى أنه إن لم يسارع لأكله أسرع إليه الفساد ولإظهار قدرته إذ خلق ما هو طرى فى ماء غليظ وهو أيضا عذب اللحوم مع أنه فى ماء أملح المياه فيعلم الناس أنه تعالى قادر بالذات لا بواسطة طبع الأماكن والأزمان وموافقتها وإلا لم يقدر أن يخرج الشىء من ضده تعالى الله، وبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم وأهم ومن خلف لا يأكل اللحم فأكل السمك حنث عند مالك والثورى لأن الله سبحانه سماه لحما، واعترض بأن التحقيق أن مبنى الإيمان على العرف لا على اللفظ فلو حلف أحد أن لا يبيت تحت سقف لم يحنث بالسماء ولو سماه الله سقفا، ولو حلف أن لا يركب دابة لم يحنث بركوب الكافر مع أن الله سبحانه سماه دابة فى نحو قوله إن شر الدواب عند الله الذين كفروا، إلا إن عنى شيئا من ذلك { وتستخرجوا منه حلية } ما يتحلى به أى يتزين به كاللؤلؤ والمرجان { تلبسونها } رجالكم ونساؤكم ولا يمنع الرجل من لباس اللؤلؤ والمرجان وقد أباحته الآية له ويحتمل أن يكون المراد النساء نظرا للغالب من غير تحريمه على الرجال، وعليه فيقدر مضاف أى تلبسه نساؤكم أو يجعل الخطاب لهم ولهن والحكم على المجموع وأسند إليهم اللباس لأنهن يتزين بذلك لهم والامتنان بأن استخراج الحلية منه دليل على أن البحر مراده به المالح لأنها منه ويجوز أن يراد به المالح والعذب وإخراج الحلية من مجموعه لا من جمعه كما قال يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان { وترى الفلك } السفن { مواخر فيه } شاقات للماء بجريها جمع ماخرة يقال مخر الماء أو غيره أى شقه ومخر الماء الأرض شقها وقيل صابتات والمخر صوت جرى الفلك فى الماء أو صمات بضرب الريح فيهن ويحتملهما كلام مجاهد وقال الحسن ممتلئات بالمتاع وقال قتادة مقبلة ومدبرة ترى سفينة مقبلة وسفينة مدبرة تجريان كل تجرى بريح مسخر لها يناسب جهتها التى وجهت إليها فى وقت واحد كسائقين لدابتين كل يسوق دابته إلى ضد الجهة التى يسوق إليها الآخر دابته وقول بعض تجريان بريح واحدة إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة بعيد غير شاهد والله قادر على ذلك { ولتبتغوا } عطف على لتأكلوا أى ولتطلبوا الأرباح بالتجارة { من فضله } سعة رزق { ولعلكم تشكرون } الله تستعملون جوارحكم وقلوبكم فى عبادته وذكر الشكر هنا لعظم هذه النعمة حيث جعل ما هو مهلك سببا للانتفاع والمعاش.
[16.15]
{ وألقى فى الأرض رواسى } جبالا رواسى أى ثوابت لثقلها { أن تميد } أن تتحرك وتضطرب فى تأويل مصدر مفعول لأجله على حذف مضاف أى كراهة ميدها، ويجوز تقدير المصدر مخفوضا على الإضافة غير نائب عن المضاف فى النصب وذلك لأنه غير صريح بل عبر عنه بالفعل وجر فى المصدر، وقيل الأصل لئلا تميد بلام الجر ولا النافية فحذفتا { بكم } كانت الأرض تتحرك بأدنى سبب من ماء أو ريح سواء قلنا إنها بسيطة أو كرة أو بسيطة الطبع كرة الحقيقة أو تتحرك كالأفلاك فقالت الملائكة لا يقر على ظهرها أحد فأرسل الله على وسطها الجبال فأصبحت لا تتحرك ولم يدروا ما خلق الجبال { وأنهارا } عطف على رواسى لأن فى الإلقاء معنى الجعل أو التقدير وجعل فيها أنهارا ودل على هذا قوله ألقى فيها وذكر الأنهار عقب الجبال لأن معظم العيون وأصولها من الجبال { وسبلا } طرقا من مكان إلى مكان تسلكونها فى حوائجكم { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم بتلك السبل وعبر بلعل لأنهم قد يخطئون فيصلون فعبر لهم بما يترجون به أو لعل للتعليل أى لتهتدوا وقيل المراد لعلكم تهتدون بإلقاء الرواسى والأنهار والسبل إلى معرفة الله بالتفكر والنظر فى المصنوعات.
[16.16]
{ وعلامات } دلائل على الطرق كجبل وأكمة وشجرة وسهل وماء وواد وريح { وبالنجم } متعلق بالفعل بعد وهو جنس النجوم بدليل قراءة الحسن وبالنجم بضم النون والجيم ولا واو بعد الجيم جمع نجم بفتح فسكون وقيل حذفت الواو وبعد الجيم تخفيفا وقراءته بضم النون وإسكان الجيم تخفيفا عن الضم فى الجمع وقيل هو جمع آخر وقال قتادة أراد بالنجم الثريا وهى سبعة أنجم وقيل ستة كالعنقود المستطيل والفرقدين وهما نجمان يتوقدان من بنات النعش وسائر بنات النعش والجدى وهو نجم عند القطب قال يقتدى بهن إلى الطريق والقبلة يريد أنه يجب عليهم الإيمان فيقتدون بها فى أمر القبلة { هم } أى الناس مطلقا ففى ذلك التفات من الخطاب للغيبة أو المراد قريش إذ كثير سفرهم للتجارة وكان لهم علم بمسايرة النجوم شهورا به ولم يكن لغيرهم فذلك عدل عن غيرهم إلى الكلام فيهم خصوصا وأدخل الضمير قبل الجملة وهو قوله هم فكانت الجملة اسمية دالة على التأكيد تأكيدا قريبا من الحصر وقدم النجم للفاصلة وإن كان الاهتداء لهم بغير النجم فإنما قدم لها وللحصر كأنه قيل وبالنجم لا بغيره هم لا غيرهم { يهتدون } فكان الشكر عليهم ألزم. قال ابن عباس العلامات معالم الطرق بالنهار والنجم ما يهتدى به من النجوم فى الليل وهو أعم من قول محمد بن كعب القرطبى والكلبى أراد بالعلامات الجبال والجبال علامات النهار والنجوم علامات الليل. وقال مجاهد أراد بالعلامات والنجم جميعا النجوم فمنها ما هو علامة ومنها ما يهتدى به والجبال تكون علامات فى البر غالبا والنجم فى البر والبحر جميعا والبحر الواسع أحوج إلى النجوم من الضيق ومن البر، خلقت زينة للسماء ورجما وهداية كما ذكر فى القرآن ومن قال غير ذلك فقد تكلم بما لا علم عنده.
Unknown page