1307

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ واصنع الفلك بأعيننا } بمرأى وحضرة وعلم منا، وذلك كناية عن الحفظ العظيم على طريق التمثيل، فإن مراعاة الشئ عن الاختلال وحفظه عمن أراده بسوء إما يكونان فى الجملة بعين الوجه، تعالى الله عن ذلك، ولو كان ذلك ليس على حقيقة جمع العين، وهو مبالغة، ويصح أن يكون المراد بالأعين الملائكة الذين جعلهم الله رقباء على حفظه، وعلى كل حال، فإن الله حفظه عن أن يزيغ فى صنعته، وأن يمنعه أحد عنها. { ووحينا } أى أمرنا ووحينا إليك بكيفية صنعها، قال ابن عباس لم يعلم كيف صنعتها، فأوحى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، وعن بعض أن رأسها مثل رأس الحمامة، وذنبها مثل ذنب الديك. قال فى عرائس القرآن أقنطه الله من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق فى أصلاب الرجال، ولا فى أرحام النساء مؤمن، وأمره أن يصنع الفلك. قال رب وما الفلك؟ قال بيت من خشب يجرى على الماء، حتى أغرق أهل معصيتى، وأريح أرضى منهم. قال يا رب أين الماء؟ قال يا نوح إنى على ما أشاء قدير. قال رب أين الشجر؟ فأمره بغرس الشجر فغرسه، فأتى على ذلك أربعين عاما، فكف فى تلك المدة عن الدعوة، وأعقم الله تعالى أرحام نسائهم، ولما أدرك الشجر أمره بقطعه فقطعه وجففه ولفقه. فقال يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال اجعله على ثلاث صور رأسه كرأس الديك، وجوفه كجوف الطير، وذنبه كذنب الديك مائلا، واجعله ثلاث طبقات، واجعل له أبوابا فى عرضه، واجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه خمسين، وطولها فى السماء ثلاثين، والذراع إلى المنكب، هذا قول أهل الكتاب ثم بعث الله جبريل يعلمه ا ه. وكتب على كل مسمار اسم نبى، فعدد مساميرها كعدد الأنبياء، وقيل إنه أمر عوجا أن يأتيه بالخشب، فأتاه بها من الشام. وقال زيد بن أسلم مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة سنة يصنع الفلك. وقال كعب عمله فى ثلاثين سنة، وعن الحسن طولها ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وعن ابن عباس اتخذها فى سنتين، وطولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها فى السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج. وروى أنه عملها فى دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان، زعم أهل الكتاب أن الله أمره أن يصنعها منه. وقيل قال لجبريل كيف أصنعها ولست نجارا؟ قال فإن ربك يأمرك بصنعها، فأخذ القادوم فجعل ينجر فلا يخطئ، وعن الضحاك، عن ابن عباس طولها ستمائة وستون ذراعا، وعرضها ثلاثمائة وثلاثون ذراعا، وطولها فى السماء ثلاثة وثلاثون ذراعا، وطلاها بالقار ظاهرا وباطنا، قيل فجر الله عين القار حيث يضعها، فغلى غليانا حتى طلاها.

وروى أن نوحا أبطأ فى عملها رجاء إيمانهم، فكان يعمل فى مهلة، وإنما يقم هذا لو كان إيحاء الله إليه بأنه لن يؤمن إلا من قد آمن، بعد أمره بصنع السفينة. وروى أن الله سبحانه أوحى إليه أن عجل فى صنع السفينة، فقد اشتد غضبى على من عصانى، فاستأجر نجارين يعملون معه، ومع أولاده سام ويافث وحام، ينحتون الخشب، ولما كملت قالت لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ونوح نبى الله، أنا السفينة التى من ركبنى نجا، ومن تخلف غرق، ولا يدخلنى إلا أهل الإخلاص، فقالوا هذا من سحرك. فسار نوح إلى الحج والعمرة، فأذن الله له، فهم قومه بإحراقها بعده، فرفعتها الملائكة، وهم ينظرون، ولما رجع أتوا بها. { ولا تخاطبنى } لا تدعنى بدفع العذاب { فى الذين } أى فى شأن الذين ، أو لا فلا تراجعنى فى استدفاع العذاب عن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى { إنهم مغرقون } بالطوفان، لا سبيل لنجاتهم، وروى أنه دعاه فى ابنه كنعان، وامرأته واعلة، فنزل عليه ذلك قبل مقتضى الظاهر أن لا يقال إنهم مغرقون بالتأكيد، لكن لما لوح إلى نوح عليه السلام ما يشعر إشعارا ما بأنه قد حق عليهم العذاب، صار المقام مقام ترد المخاطب، هل صاروا محكوما عليهم بالإغراق أم لا، والمتردد يحسن التأكيد له فأكد.

[11.38]

{ ويصنع } حكاية حال ماضية، بأن نزل حالهم كأنها حاضرة فى وقت نزول هذه الآية على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو جعله كأنه حاضر لها، وأن زمانه زمانها { الفلك وكلما } كل ظرف زمان متعلق بسخروا، ويكون قوله { قال } استئنافا بيانيا متعلق بقال، فيكون سخروا بدلا من بدل اشتمال، أو يعتا للا، وما مصدرية، والفعل مما بعدها مضاف إليه، وإنما صح أن يكون كل ظرف زمان لإضافته إلى المصدر النائب عن اسم الزمان { مر عليه } وهو فى عملها فى تهيئة آلات عملها { ملأ من قومه } الملأ هنا الجماعة. { سخروا منه } لعمله، وكان يعملها فى أرض بعيدة من الماء فى وقت عز الماء فيه عزة شديدة، وكانوا يتضاحكون ويقولون له يا نوح بينما تزعم أنك رسول رب العالمين، إذ صرت نجارا، ويقولون ألا ترون هذا المجنون يتخذ بيتا من خشب يسيره على الماء، وقيل يقولون يا نوح ما تصنع؟ قال أصنع بيتا يمشى على الماء فيضحكون منه. { قال إن تسخروا } الآن { منا فإنا نسخر } بعد { منكم } إذا غرقتم فى الدنيا، وأحرقتم فى الآخرة { كما تسخرون } ومعنى سخرية الأنبياء والمؤمنين ظهور بطلان كيد أعدائهم، وظهور هلاكهم، وإلا فمنصبهم بعيد عن السخرية، وذكرت فى المشاكلة، أو لأن المراد ترى جزاء سخريتكم، وقيل المعنى إن تستجهلونا فى عملنا، فإنا نستجهلكم فى استجهالكم، لأنكم لا تستجهلوننا إلا عن جهل بحقيقة الأمر.

[11.39]

{ فسوف تعلمون من يأتيه } مفعول تعملون ومعناه تعرفون { عذاب يخزيه } يهينه وهم قومه، والعذاب الغرق. { ويحل } ينزل { عليه عذاب مقيم } دائم وهو النار، ويجوز أن يكون على طريق الاستعارة بالكناية، بأن مشبه العذاب المقيم بالدين المؤجل الذى لا انفكاك عنه، ورمز إلى ذلك بذكر الحلول الملائم للدين المؤجل.

[11.40]

{ حتى إذا جاء أمرنا } حتى هذه ابتدائية عائدة إلى يصنع، وليست الابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية، كما قد يتوهم، بل هى بمنزلة فاء السببية، المتفرع ما بعدها على ما قبلها، ففى ذلك رائحة الغاية فافهم، وقد أوضحته فى النحو، وقيل الداخلة على إذا جارة، وذكر القاضى أنها غاية ليصنع وما بينهما حال من ضميره، أو ابتدائية انتهى. والأمر واحد الأمور، أو مصدر أى أمرنا للماء بالفوران. { وفار } أى نبع بالماء وغلى كالقدر { التنور } الذى يخبز فيه عند الحسن، ومجاهد، والشعبى، وأكثر المفسرين، وابن عباس فى الرواية الصحيحة عنه، وهو الصحيح، لأن اللفظ حقيقة فيه، جعل الله نبع الماء منه علامة لنوح يركب هو وما ومن معه عندها فى السفينة، وقال لامرأته إذا رأيته يفور فأخبرينى فأخبرته. قال مقاتل كان تنور لآدم فى الشام فى موضع يقال له عين ورد، من ناحية الجزيرة، وعن ابن عباس أنه بالهند، وعن مجاهد، عن الشعبى اتخذ السفينة فى جوف مسجد الكوفة، وكان التنور مما يلى باب كندة على يمين الداخل، وكان يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، رواه السدى عنه، وهو من حجارة تخبز فيه حواء، ثم صار إلى نوح قاله الحسن، وأل للعهد، وكان فى بيت نوح معهودا عنده. ويجوز أن لا يكون المراد حقيقة نبع الماء من التنور، بل المراد الكناية عن شدة الأمر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" الآن حمى الوطيس "

وهو لفظ فارسى جاء فى القرآن، وقيل كان قبل ذلك فى لسان العرب من لغة العجم، ولا تعرف لمسماة العرب اسما غير ذلك، ولذلك جاء فى القرآن، وقيل ذلك اسمه فى كل لغة، وقال على بن أبى طالب فار التنور، طلع الفجر، شبه طلوع نور الصبح بفوران نار التنور، وقال ابن عباس فى رواية، وعكرمة، والزهرى فار التنور انبجس الماء على وجه الأرض، وقيل فار عليه، وقيل فار على أعلى موضع فيها. { قلنا احمل فيها من كل زوجين } أى من كل نوع ذكر ونوع أنثى { اثنين } فردين اثنين، فرد ذكر، وفرد أنثى، وهو مفعول احمل فى الفلك، وقرأ حفص تنوين كل فيكون زوجين مفعول لاحمل، واثنين توكيد أو نعت مؤكد، فيكون الزوجان الفرد الذكر والفرد الأنثى، وكذا قرأ فى " سورة المؤمنون ". قال فى عرائس القرآن وغيره حشر الله إليه الدواب والطيور، من البر والبحر، والسهل والجبل، لئلا ينقطع نسلها، قال ابن عباس أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، وأقبلت الوحوش والطير والدواب إلى نوح، حين أصابها المطر، وأول ما حمل الدرة، وآخره الحمار، وتعلق إبليس بذنبه، فيأمره نوح بالدخول فينهض فلا يستطيع، حتى قال له نوح ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زل بها لسانه، فخلاه إبليس فدخل، ودخل إبليس فقال له ما أدخلك يا عدو الله اخرج؟ قال لا أخرج ألم تقل للحمار ادخل وإن كان الشيطان معك، ولا بد من حملى، فإنى من المنظرين وكان على ظهر الفلك، وقيل على ذنبها، واشترط عليه أن لا يوسوس فيها أحدا ما دام فيها.

Unknown page