Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
إن هذا إلا سحر مبين
أو على قولهم
ما يحبسه
أو على الفرح والفخر الموصلين إلى تكذيبه، وذلك أن المشركين يردون عليه، ويهزءون بما يتلوا، فقال الله سبحانه وتعالى فلعلك تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ما يخالف رأيهم لئلا يردوه ويهزءوا به، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركا ولا مهتما بالترك، فإنه معصوم عن الخيانة فى الوحى، والتقية فى التبليغ، فليست صيغة التوقع لوقوع خبرها، ولكنها للتحذير والتحريض عن التبليغ، وتضمن ذلك تنبيها على أن تحمل أذاهم أهون من ترك بعض الوحى. { وضائق به } ببعض ما يوحى إليك، أو بما يوحى إليك، وإنما قال { ضائق } لا ضيق، لأن المراد الحدوث، فإنك إن أردت زيدا كان فيما مضى كريما، أو سيكون كريما، أو حدث له الكرم فى الحال قلت زيد كارم، والمناسب التارك، ولم يضق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قط، فالكلام فى ضائق كالكلام فى تارك، وإنما ضاق قلبه أحيانا بقولهم، وقيل إنه صلى الله عليه وسلم هم بعد التبليغ أن يترك ذكر آلهتهم بسوء ظاهر، واشتد عليه أن يتلوها فيه ذكرها بسوء لما يلقى منهم من كلام السوء فى القرآن ونبوته، فنزل ذلك، وقيل الهاء فى به لمبهم يفسره قوله { أن يقولوا } مخافة أن يقولوا، أو حذر أن يقولوا، أو لئلا أن يقولوا { لولا } توبيخ { أنزل عليه } من السماء { كنز } يستفنى به وينفعه، وذلك أنهم رأوه فقيرا، أو ينفقه على الناس فى أن يتبعوه كما تفعل الملوك. { أو جاء معه ملك } يصدقه أنه رسول، وأنه صادق. روى أن عبد الله بن أمية المخزومى قال إن كنت رسول الله الذى تصفه بالقدرة على كل شئ، وأنت عنده عزيز، فهلا أنزل عليك ما تستغنى به أنه وأصحابك، وهلا نزل ملك يصدقك فتزول الشبهة، فالمراد بقوله { أن يقولوا } أن يعبدوا القول بأن يتكرر فيهم تبعا لمن قاله أولا. { إنما أنت نذير } هذا حصر إضافى منظور فيه إلى ما اقترحوه، وإلا فهو بشير وغير ذلك، فكأنه قيل أنت مقصور على الإنذار لا تتجاوزه إلى إنزال كنز عليك، ومجئ ملك معك يصدقك، بل الإنذار يتضمن التبشير، لأنه قد قرر لهم أنه لا منزل إما الجنة أو النار، فإنذاره بالنار لمن لم يتب والتبشير بالجنة لمن تاب. { والله على كل شيء وكيل } فهو حافظ لأقوالهم وأفعالهم ، فيجازيهم عليها.
[11.13]
{ أم } منقطعة بمعنى بل، أو بمعنى بل وهمزة التوبيخ، أو إنكار صحة قولهم بالافتراء { يقولون افتراه } أى افترى ذلك الذى قلنا إنه يوحى { قل } لهم إن افتريته { فأتوا بعشر سور مثله } فى البلاغة والفصاحة، والبيان وحسن النظم، وهذه السورة نزلت قبل سورة يونس، تحداهم فى سورة يونس بسورة، بعد ما تحداهم فى سورة هود بعشر، وعجزوا، وهذا كما يقول من يتعاطى الكتابة اكتب عشرة أسطر مثل كتابتى، وإذا أبان له العجز سهل فقال اكتب سطرا واحدا مثل كتابتى، إذ لا يصح أن يعجزوا فى واحدة، ثم يكلفوا عشرا. وعن بعض إن آية هود نزلت قبل آية يونس، وأنكر المبرد ذلك، وقال إنه قال فى يونس { بسورة } لأن المراد المماثلة فى البلاغة والفصاحة، وفى هود { بعشر سور } لأن المراد المماثلة فى الإخبار عن الغيب، وذكر الأحكام، والوعد والوعيد، وقيل المراد هنا المماثلة فى حسن النظم، وأقول لا مانع بعشر سور أمثاله، لأن المراد أن كلا منهن تماثله، والإفراد فى تأدية هذا المعنى أقرب من الجمع، والمراد حقيقة مماثلته، لأن كل واحدة تماثل وحدها جميع القرآن، ولم يقل من أن يتحداهم أولا بسورة، ثم يتحداهم بأكثر، على معنى أنكم عجزتم عن واحدة، فكيف العشر، وقد يقال إنه مثل لهم بعشرة إذ كان باب السور افتراء، أى إن كان القرآن من الافتراء فالإتيان به سهل، فأتوا منه بعشر سور. { مفتريات } فإنكم عرب فصحاء مثلى وألزم منه لطرق الكلام، ومتدربون بالشعر والسجع { وادعوا } للمعاونة على ذلك { من استطعتم } أى من استطعتموه، ولو جميع الإنس والجن، وقيل المراد الأوثان { إن كنتم صادقين } فى قولكم إنه مفترى.
[11.14]
{ فإن لم يستجيبوا لكم } أى يستجب لكم الذين دعوتم من الكفار من الجن والإنس، والذين دعوتم من الكفار والأصنام لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم العجز، والخطاب للذين قالوا إنه مفترى. { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } أى ملتبسا بما لا يكون معلوما، ولا مقدورا لغير الله، والخطاب لهم أيضا { وأن لا إله إلا هو } أى وأعلم أن ما دعاكم إليه من التوحيد حق { فهل أنتم مسلمون } داخلون فى الإسلام، تائبون عن القول بأنه مفترى، وعن سائر أقوال الشرك بعد قيام البرهان القاطع، فإنه لا وجه للبقاء على ذلك مع قيامه، ولا عذر فأسلموا، وهذا الاستفهام يتضمن الاستبطاء، والأمر والتنبيه على قيام البرهان، أو الواو فى يستجيبوا للكفرة القائلة إنهم مفترى. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولو كان الخطاب فى قل له فقط، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم متناول لهم من حيث إنه يجب عليهم اتباعه فى كل أمر إلا ما خصه الدليل به، وللتنبيه على أنهم لا يغفلون عن التحدى، فلهم دخل فيه وكلام، ولو كان المتحدى هو الرسول، لأن عجز الكفرة بعد التحدى يرسخ فيهم من الإيمان، ولأن المؤمنين أيضا قد يتحدونهم بنفس ما نزل على الرسول، أو الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيما له بصورة خطاب الجماعة. وعلى كل حال صح التفريع فى العلم والإسلام، والمعنى فازدادوا علما بأنه من الله، وأنه لا معبود سوى الله وإسلاما، أو دوموا على ذلك، وفى ضمن ذلك عجز آلهتهم وتهديد بعبادتها، واقتناع من أنها لن تغنى عنهم شيئا، ووجوب الإعراض عنها، إذ لم يقدر على ذلك العقلاء الفصحاء، فضلا عنها.
[11.15]
{ من كان يريد الحياة الدنيا } بأعماله الحسنة كالقراءة، وصلة الرحم، والصدقة، والجهاد، وفك الأسير، وغير ذلك مما يفعله الموحد والمشرك { وزينتها } كالرياسة ونفوذ الأمر، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد. { نوف } وقرأ الحسن بإثبات الياء والتخفيف، فإن الشرط ماض، فأهملت الأداة عن العمل فى الجواب لما أهملت عن العمل فى لفظ الشرط، أو التقدير فقد نوفى، أو فنحن نوفى، وسهل حذف الفاء حذف ما اتصل بها، وقرأ يوفى بالياء المثناة التحتية أولا، أى يوف الله، وقرأ توف بالمثناة الفوقية والبناء للمفعول، ورفع أعمال { إليهم أعمالهم } أى نوصل إليهم جزاء أعمالهم { فيها } فى الدنيا كالصحة والرياسة، ونفوذ الأمر، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد، والثناء عليهم، واشتهارهم. { وهم فيها لا يبخسون } لا ينقص الله شيئا من أجور أعمالهم فى الدنيا، حتى أنهم ليوفون يوم القيامة ومالهم حسنة، فيأتى المشرك وقد أكل فى الدنيا ماله من طيب، على صلته للرحم، وفكه الأسير، وصدقته ونحو ذلك، ويأتى المنافق وقد جاهد قصدا للغنيمة فغنم فيما له إلا سهمه فى الغنيمة، ويأتى بعمل عمله رياء، فيقال له عملت ليقال فقد قيل، ويقال ارجع إلى من عملت له يجازك، وقد قال الله
Unknown page